ولما كان الحال في مدة الإيلاء شبيها بحال الطلاق وليس به قال مبينا أن الطلاق لا يقع بمجرد مضي الأربعة الأشهر بل إما أن يفيء أو يطلق فإن أبى طلق عليه الحاكم : (وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ) فأوقع عليه العزم من غير حرف جر بمعنى أنهم تركوا ما كانوا فيه من الذبذبة وجعلوا الطلاق عزيمة واقعا من غير مجمجة ولا ستر ، والعزم الإجماع على إنفاذ الفعل ، والطلاق هو في المعنى بمنزلة إطلاق الشيء من اليد الذي يمكن أخذه بعد إطلاقه ـ قاله الحرالي.
ولما كان المطلق ربما ندم فحمله العشق على إنكار الطلاق رهبه بقوله : (فَإِنَّ اللهَ) أي الملك الذي له الجلال والإكرام (سَمِيعٌ) أي لعبارتهم عنه. قال الحرالي : في إشارته إعلام بأن الطلاق لا بد له من ظاهر لفظ يقع مسموعا ـ انتهى. (عَلِيمٌ) أي به وبنيتهم فيه. قال الحرالي : وفيه تهديد بما يقع في الأنفس والبواطن من المضارة والمضاجرة بين الأزواج في أمور لا تأخذها الأحكام ولا يمكن أن يصل إلى علمها الحكام فجعلهم أمناء على أنفسهم فيما بطن وظهر ، ولذلك رأى العلماء أن الطلاق أمانة في أيدي الرجال كما أن العدد والاستبراء أمانة في أيدي النساء ، فلذلك انتظمت آية تربص المرأة في عدتها بآية تربص الزوج في إيلائه ـ انتهى. وبقي من أحكام الإيلاء قسم ثالث ترك التصريح به إشارة إلى أنهم ينبغي أن يكونوا في غاية النزاهة عنه وهو الإصرار على الإضرار ، وأشار بصفتي المغفرة والرحمة لفاعل ضده إلى أن مرتكبه يعامل بضدهما مما حكمه معروف في الفقه والله الموفق.
ولما ختم آيتي الإيلاء بالطلاق بين عدته فقال : ـ وقال الحرالي : لما ذكر تربص الزوج ـ سبحانه وتعالى في أمر الطلاق الذي هو أمانته ذكر تربص المرأة في أمر العدة التي هي أمانتها ؛ انتهى ـ فقال : (وَالْمُطَلَّقاتُ) أي المدخول بهن بما أفهمه الإيلاء من أن الكلام فيهن غير الحوامل لأن عدتهن بالولادة وغير ذوات الأشهر لصغر أو كبر. ولما أريد التأكيد لأمرهن بالعدة سبق بعد تأكيده ببنائه على المبتدأ في صيغة الخبر الذي من شأنه أن يكون قد وجد وانقضى إيماء إلى المسارعة إلى امتثاله فقيل : (يَتَرَبَّصْنَ) أي ينتظرن اعتدادا.
ولما كانت النفس داعية إلى الشهوات لا سيما أنفس النساء إلى الرجال وكان التربص عاما في النفس بالعقد لزوج آخر وفي التعرض له باكتحال وتزين وتعريض بكلام مع البينونة وبغير ذلك خص الأول معبرا لها بالنفس هزا إلى الاحتياط في كمال التربص والاستحياء مما يوهم الاستعجال فقال : (بِأَنْفُسِهِنَ) فلا يطمعنها في مواصلة رجل قبل انقضاء العدة.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
