إلى الدنيا الدنية الفانية. قال الحرالي : فانتظمت هذه الآيات في تبيين خير الخيرين وترجيح أمر الغيب في أمر الدين والعقبى في أدنى الإماء من المؤمنات خلقا وكونا وظاهر صورة على حال العين في أمر العاجلة من الدنيا في أعلى الحرائر من المشركات خلقا وظاهر صورة وشرف بيت ـ انتهى (وَلا تَنْكِحُوا) أيها الأولياء (الْمُشْرِكِينَ) أي الكفار بأي كفر كان شيئا من المسلمات (حَتَّى يُؤْمِنُوا) فإن الكفار شر محض (وَلَعَبْدٌ) أي مملوك (مُؤْمِنٌ خَيْرٌ) على سبيل التنزيل (مِنْ مُشْرِكٍ) حر (وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ) أي المشرك وأفهم هذا خيرية الحرة والحر المؤمنين من باب الأولى مع التشريف العظيم لهما بترك ذكرهما إعلاما بأن خيريتهما أمر مقطوع به لا كلام فيه وأن المفاضلة إنما هي بين من كانوا يعدونه دنيا فشرفه الإيمان ومن يعدونه شريفا فحقره الكفران ، وكذلك ذكر الموصوف بالإيمان في الموضعين ليدل على أنه وإن كان دنيا موضع التفضيل لعلو وصفه ، وأثبت الوصف بالشرك في الموضعين مقتصرا عليه لأنه موضع التحقير وإن علا في العرف موصوفه.
ولما كانت مخالطة أهل الشرك مظنة الفساد الذي ربما أدى إلى التهاون بالدين فربما دعا الزوج زوجته إلى الكفر فقاده الميل إلى اتباعه قال منبها على ذلك ومعللا لهذا الحكم : (أُولئِكَ) أي الذين هم أهل للبعد من كل خير (يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ) أي الأفعال المؤدية إليها ولا بد فربما أدى الحب الزوج المسلم إلى الكفر ولا عبرة باحتمال ترك الكافر للكفر وإسلامه موافقة للزوج المسلم لأن درء المفاسد مقدم ؛ وسيأتي في المائدة عند قوله تعالى : (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) [المائدة : ٥] لذلك مزيد بيان.
ولما رهب من أهل الشرك حثا على البغض فيه رغب في الإقبال إليه سبحانه وتعالى بالإقبال على أوليائه بالحب فيه وبغير ذلك فقال : (وَاللهُ) أي بعز جلاله وعظمة كماله (يَدْعُوا) أي بما يأمر به (إِلَى الْجَنَّةِ) أي الأفعال المؤدية إليها. ولما كان ربما لا يوصل إلى الجنة إلا بعد القصاص قال : (وَالْمَغْفِرَةِ) أي إلى أن يفعلوا ما يؤدي إلى أن يغفر لهم ويهذب نفوسهم بحيث يصيرون إلى حالة سنية يغفرون فيها للناس ما أتوا إليهم. ولما كان الدعاء قد يكون بالحمل على الشيء وقد يكون بالبيان بحيث يصير المدعو إليه متهيئا للوصول إليه قال : (بِإِذْنِهِ) أي بتمكينه من ذلك لمن يريد سعادته (وَيُبَيِّنُ آياتِهِ) في ذلك وفي غيره (لِلنَّاسِ) كافة من أراد سعادته وغيره (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) أي ليكونوا على حالة يظهر لهم بها بما خلق لهم ربهم من الفهم وما طبع في أنفسهم من الغرائز حسن ما دعاهم إليه وقبح ما نهاهم عنه غاية الظهور بما أفهمه الإظهار.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
