ذكر طرفي الإيمان والكفر وأحوال المؤمنين وأحوال الذين كفروا ذكر المنافقين المترددين بين الاتصاف بالطرفين بلفظ الناس لظهور معنى النوس فيهم لاضطرابهم بين الحالين ، لأن النوس هو حركة الشيء اللطيف المعلق في الهواء كالخيط المعلق الذي ليس في طرفه الأسفل ما يثقله فلا يزال مضطربا بين جهتين ، ولم يظهر هذا المعنى في الفريقين لتحيزهم إلى جهة واحدة. قاله الحرالي ، وعرف للجنس أو للعهد في الذين كفروا لأنهم نوع منهم ، وسر الإظهار موضع الإضمار على هذا ما تقدم ، (آمَنَّا بِاللهِ) أي وحده بما له من الجلال والجمال مستحضرين لذلك ، ولما كانوا متهمين أكدوا بإعادة الجار فقالوا : (وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ) الذي جحده المجاهرون ، (وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) أي بعريقين في الإيمان كما ادعوه بذكر الاسم الأعظم وإعادة الجار ، ولعله نفى العراقة فقط لأن منهم من كان مزلزلا حين هذا القول غير جازم بالكفر وآمن بعد ذلك ، وحذف متعلق الإيمان تعميما في السلب عنهم لما ذكروا وغيره ، وجمع هنا وأفرد في (يَقُولُ) تنبيها على عموم الكفر لهم كالأولين وقلة من يسمح منهم بهذا القول إشارة إلى غلظتهم وشدة عثاوتهم في الكفر وقوتهم.
وفي ذكر قصتهم وتقبيح أحوالهم تنبيه على وجوب الإخلاص وحث على الاجتهاد في الطهارة من الأدناس في سؤال الهداية إلى الصراط المستقيم.
وتصنيف الناس آخر الفاتحة ثلاثة أصناف : مهتدين ومعاندين وضالين ، مثل تصنيفهم أول البقرة ثلاثة : متقين وكافرين مصارحين وهم المعاندون وضالين وهم المنافقون ، وإجمالهم في الفاتحة وتفصيلهم هنا من بديع الأساليب وهو دأب القرآن العظيم الإجمال ثم التفصيل.
وقد سمى ابن إسحاق كثيرا من المنافقين في السيرة الشريفة في أوائل أخبار ما بعد الهجرة ، قال ابن هشام في تلخيص ذلك : وكان ممن انضاف إلى يهود ممن سمي لنا من المنافقين من الأوس والخزرج ، من الأوس زوي بن الحارث وبجاد بن عثمان ابن عامر ونبتل بن الحارث وهو الذي قال له رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «من أحب أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل! وكان يأتي رسول الله صلىاللهعليهوسلم يتحدث إليه ثم ينقل حديثه إلى المنافقين ، وهو الذي قال : إنما محمد أذن» (١) وعباد بن حنيف أخو سهل وعمرو بن خذام وعبد الله بن نبتل وبحزج وهو ممن كان بنى مسجد الضرار وكذا جارية بن عامر
__________________
(١) أخرجه ابن المنذر ، وابن اسحاق ، وابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ٣ / ٢٥٣ عن ابن عباس.
وذكره ابن هشام في السيرة ٢ / ١٠٥ باب المنافقون بالمدينة.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
