إشارة إلى أن الأدلة الأصلية في الوضوح بحيث لا تخفى على أحد ولا يخالفها إلا من ستر مرآة عقله إما عنادا وإما بإهمال النظر السديد والركون إلى نوع تقليد.
ولما كان من أعجب العجب كون شيء واحد يكون هدى لناس دون ناس علل ذلك بقوله : (خَتَمَ اللهُ)(١) أي بجلاله (عَلى قُلُوبِهِمْ) أي ختما (٢) مستعليا عليها فهي لا تعي حق الوعي ، لأن الختم على الشيء يمنع الدخول إليه والخروج منه ، وأكد المعنى بإعادة الجار فقال : (وَعَلى سَمْعِهِمْ) فهم لا يسمعون حق السمع ، وأفرده لأن التفاوت فيه نادر. قال الحرالي : وشرّكه في الختم مع القلب لأن أحدا لا يسمع إلا ما عقل. انتهى. (وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ) فهم لا ينظرون بالتأمل.
ولما سوى هنا بين الإنذار وعدمه كانت البداءة بالقلوب أنسب تسوية لهم بالبهائم ، ولما كان الغبي قد يسمع أو يبصر فيهتدي وكان إلى السمع أضر لعمومه وخصوص البصر بأحوال الضياء نفى السمع ثم البصر تسفيلا لهم عن حال البهائم ، بخلاف ما في الجاثية فإنه لما أخبر فيها بالإضلال وكان الضال أحوج شيء إلى سماع الهادي نفاه ، ولما كان الأصم إذا كان ذا فهم أو بصر أمكنت هدايته وكان الفهم أشرف نفاهما على ذلك الترتيب.
ولما وصفهم بذلك أخبر بمآلهم فقال : (وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) قال الحرالي : وفي قوله : (وَلَهُمْ) إعلام بقوة تداعي حالهم لذلك العذاب واستحقاقهم له وتنشؤ ذواتهم إليه حتى يشهد عيان المعرفة به ـ أي العذاب ـ وبهم أنه لهم وكان عذابهم عظيما آخذا في عموم ذواتهم لكونهم لم تلتبس أبدانهم ولا نفوسهم ولا أرواحهم بما يصد عنهم شيئا من عذابها كما يكون للمعاقبين من مذنبي مؤمني الأمم حيث يتنكب العذاب عن
__________________
(١) قال البيضاوي في تفسيره ١ / ٩٦ : الختم الكتم سمي به الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه لأنه كتم له والبلوغ آخره نظرا إلى أنه آخر فعل يفعل في إحرازه ... ولا ختم ولا تفشية على الحقيقة ، وإنما المراد بهما أن يحدث في نفوسهم هيئة تمرنهم على استحباب الكفر ، والمعاصي ، واستقباح الإيمان ، والطاعات بسبب غيهم ، وانهماكهم في التقليد ، وإعراضهم عن النظر الصحيح ...
وقال النسفي في تفسيره ١ / ١٦ : قال الزجاج : الختم التغطية لأن في الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه تغطية له لئلا يطلع عليه ، وقال ابن عباس : (طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ...) يعني أن الله طبع الله عليها فجعلها بحيث لا يخرج منها ما فيها من الكفر ولا يدخلها ما ليس فيها من الإيمان ، وحاصل الختم ، والطبع خلق الظلمة ، والضيق في صدر العبد عندنا ، فلا يؤمن ما دامت تلك الظلمة في قلبه ، وعند المعتزلة أعلام على مخص القلوب بما يظهر للملائكة أنهم كفار ، فيلعنونهم ، ولا يدعون لهم بخير ، وقال بعضهم : إن إسناد الختم إلى الله تعالى مجاز والخاتم في الحقيقة الكافر إلا أن الله تعالى لما كان هو الذي أقدره ، ومكنه أسند إليه الختم.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
