التزود النظر إلى الله تعالى في إقامة خلقه وأمره ، قال بعض أهل المعرفة : من عوده الله سبحانه وتعالى دوام النظر إليه بالغيبة عما سواه فقد ملك الزاد فليذهب حيث شاء فقد استطاع سبيلا ـ انتهى.
ولما علم من ذلك أن التقدير : فأكثروا من الزاد مصحوبا بالتقوى وكان الإنسان محل النقصان فكان الإكثار حاملا له في العادة على الطغيان إلّا من عصم الله وقليل ما هم قال سبحانه وتعالى مؤكدا لأمر التقوى مشرفا لها بالإضافة إلى نفسه الشريفة تنبيها على الإخلاص لأجل ذاته السنية لا بالنظر إلى شيء من رجاء أو خوف أو اتصاف بحج أو غيره عاطفا على ما أرشد إلى تقديره السياق : (وَاتَّقُونِ) أي في تقواكم بالتزود ، وزاد الترغيب فيها بقوله : (يا أُولِي الْأَلْبابِ) أي العقول الصافية والأفهام النيرة الخالصة التي تجردت عن جميع العلائق الجسمانية فأبصرت جلالة التقوى فلزمتها.
ولما فهم من هذا الحث على الإكثار من الزاد تحركت نفوس أولي الهمم الزاكية القابلة للتجرد عن الأعراض الفانية إلى السؤال عن المتجر لإنفاقه في وجوه الخير هل يكره في زمان أو مكان لا سيما عند تذكر أن أناسا كانوا في الجاهلية يكرهون التجارة للحاج فأجيب بقوله معلما أن قطع العلائق لمن صدق عزمه وشرفت همته أولى : (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ) أي إثم في (أَنْ تَبْتَغُوا) أي تطلبوا بجد واجتهاد (فَضْلاً) أي إفادة بالمتجر في مواسم الحج وغيرها (مِنْ رَبِّكُمْ) المحسن إليكم في كل حال فلا تعتمدوا في الفضل إلا عليه ، وروى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : «كانت عكاظ ومجنّة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية فتأثموا أن يتّجروا في المواسم فنزلت (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ) في مواسم الحج» (١).
ولما كان الاستكثار من المال إنما يكره للشغل عن ذكر الله سبب عنه الآمر بالذكر في قوله (فَإِذا) أي فاطلبوا الفضل من ربكم بالمتجر (أَفَضْتُمْ) أي أوقعتم الإفاضة ، ترك مفعوله للعلم به أي دفعتم ركابكم عند غروب الشمس ففاضت في تلك الوهاد كما يفيض الماء المنساب في منحدر الشعاب ، وأصل الإفاضة الدفع بكثرة (مِنْ عَرَفاتٍ) الجبل الذي وقفتم فيه بباب ربكم الموقف الأعظم الذي لا يدرك الحج إلا به من معنى التعرف لما تقدمته نكرة ، وليست تاؤه للتأنيث فتمنعه الصرف بل هي علامة جمع
__________________
ـ وقال الذهبي : إسناده جيد. وأخرجه الترمذي ٢٥١٧ من حديث أنس ، وإسناده ضعيف لضعف المغيرة بن أبي قرة السدوسي.
(١) موقوف صحيح. أسنده البخاري ٤٥١٩ عن ابن عباس موقوفا.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
