يناقض ويخالف أن ينهى عنه ، كما قال فيما هو قابل للجدال (وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [العنكبوت : ٤٦] وبين خطاب النهي والنفي فوت في الأحكام الشرعية ينبني الفقه في الأحكام على تحقيقه في تأصيلها والتفريع عليها ـ انتهى.
ولما كانت هذه المنفيات شرا وكان التقدير : فما فعلتم من هذه المنهيات على هذا الوجه الأبلغ عوقبتم عليه عطف عليه : (وَما) وقال الحرالي : ولما حمي من سوء معاملة الخلق مع الخلق عرض بأن يوضع موضع ذلك الإحسان فيقع في محل إخراج الأنفس أن يتودد إليها بإسداء الخير وهو الإحسان من خير الدنيا ، ففي إعلامه تحريض على إحسان الحاج بعضهم لبعض لما يجمع وفده من الضعيف والمنقطع فقال : وما (تَفْعَلُوا) انتهى. أي يوجد لكم فعله في وقت من الأوقات (مِنْ خَيْرٍ) في الحج أو غيره بتوكل في تجرد أو تزود في تزهد أو غير ذلك من القول الحسن عوض الرفث ، والبر والتقوى مكان الفسق ، والأخلاق الجميلة واليسر والوفاق مكان الجدال (يَعْلَمْهُ اللهُ) الذي له جميع صفات الكمال فيجازيكم عليه فهو أشد ترغيب وترهيب.
ولما عمم في الحث على الخير على وجه شامل للتزود وتركه بعد التخصيص أشار إلى أن الخير هو الزاد على وجه يعم الحسي والمعنوي زيادة في الحث عليه إذ لا أضر من إعواز الزاد لأكثر ـ العباد فقال : (وَتَزَوَّدُوا) أي التقوى لمعادكم الحاملة على التزود الحسي لمعاشكم الحامل على الزهد فيما في أيدي الناس ، والمواساة لمحتاجهم الواقية للعبد من عذاب الله «اتقوا النار ولو بشق تمرة» (١) وذلك هو ثمرة التقوى ؛ والزاد هو متعة المسافر. ثم علل ذلك بما أنتجه بقوله (فَإِنَّ خَيْرَ ،) ويجوز أن يكون التقدير : وتزودوا واتقوا الله في تزودكم (فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى) وفي التجرد مداخل خلل في بعض نيات الملتبسين بالمتوكلين من الاتكال على الخلق ، فأمر الكل بالتزود سترا للصنفين ، إذ كل جمع لا بد فيه من كلا الطرفين ـ قاله الحرالي وقال : وفي ضمنه تصنيفهم ثلاثة أصناف : متكل لا زاد معه فمعه خير الزادين ، ومتمتع لم يتحقق تقواه فلا زاد له في الحقيقة ، وجامع بين التقوى والمتعة فذلك على كمال السنة ؛ كما قال عليه الصلاة والسّلام : «قيّدها وتوكل» (٢) لأن ذلك أستر للطرفين ؛ وحقيقة التقوى في أمر
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ١٤١٣ و ١٤١٧ و ٣٥٩٥ و ٦٥٤٠ ومسلم ١٠١٦ والطيالسي ١٠٣٦ وابن أبي شيبة ٣ / ١١٠ وأحمد ٤ / ٢٥٨ ـ ٢٥٩ ـ ٣٧٧ وابن حبان ٤٧٣ و ٦٦٦ و ٢٨٠٤ كلهم من حديث عدي بن حاتم ، وتمامه : «فإن لم تجدوا ، فبكلمة طيبة».
(٢) جيد. أخرجه ابن حبان ٧٣١ والحاكم ٣ / ٦٢٣ والقضاعي ٦٣٣ والطبراني كما في المجمع ١٠ / ٣٠٣ كلهم من حديث عمرو بن أمية الضمري : قال رجل للنبي صلىاللهعليهوسلم : أرسل ناقتي ، وأتوكل .. وقال الهيثمي : رجال الطبراني رجال الصحيح سوى يعقوب بن عبد الله الضمري ، وهو ثقة ا ه.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
