شأنهم قتالكم لا من ليس شأنه ذلك كالصبيان ؛ وفيه إشعار بأن القتال عن سبب المقاتلة فهو مما يفعل عن سبب لا مما يفعل لوقت ، وصيغة المضارع لم يقصد بها إلا صدور الفعل من غير نظر إلى زمان مخصوص كما قالوه في أمثاله.
ولما كان الله سبحانه وتعالى قد أوجب العدل في كل شيء حتى في حق أعدائه قال : (وَلا تَعْتَدُوا) فنظم ذلك ابتداء القتال لمن لم يبح له ابتداءه به إما بعهد أو بغير دعوة لمن لم يبلغه أمر الدين أو بغير ذلك من أنواع الخيانة والغدر وقتل النساء والصبيان والشيوخ الفانين الذين لا منعة فيهم ولا رأي لهم ، ودوام القتال لمن ألقى السلم بعد الابتداء به ، فحذف المتعلق اختصارا فأفاد زيادة المعنى وهو من غريب أفانين البلاغة وكأنه أفهم بصيغة الافتعال التقييد بالتعمد ، ثم علل ذلك بقوله : (إِنَّ اللهَ) أي لما له من صفات الكمال (لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) مطلقا في هذا وغيره ، أي لا يفعل بهم من الخير فعل المحب.
ولما حرم الاعتداء صرح بإباحة أصل القتال فقال : (وَاقْتُلُوهُمْ) أي الذين يقاتلونكم (حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) أي وجدتموهم وأنتم تطمعون في أن تغلبوا أو حيث تمكنتم من قتلهم ـ قاله الأصبهاني ، لأنه من ثقف بالضم ثقافة إذا صلب وثقف أي بالكسر كذلك ، وأيضا صار حاذقا فطنا ، وثقفت الشيء ثقفا إذا أخذته والشيء صادفته ـ قاله ابن القطاع. وقال الأصبهاني : والثقف وجوده على وجه الأخذ والغلبة ، وأطلق الوجدان فشمل الحل والحرم من الزمان والمكان لأنهم كذلك يفعلون بالمسلمين ، كانوا يؤذونهم ويفتنونهم عند البيت في كل وقت ؛ وفي التعبير بالفعل ما يشعر بالنصر بحزب الله وبشرى بضعف العدو عن مداومة المقاومة للمجاهدين وقد ظهرت التجربة مثل ذلك وأقله أنهم إذا فروا لم يكروا.
ولما كانت الآية ناظرة إلى قصاص قال : (وَأَخْرِجُوهُمْ) أي فإن لم يقاتلوكم (مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ) أي مكة التي هي موطن الحج والعمرة ومحل الشعائر المقصودة لأهل الإسلام. ولما كان هذا مشعرا بأنهم لم يكن منهم إليهم قتال في مكة لغير الأذى المحوج إلى الخروج من الديار على أن التقدير : فإن الإخراج من السكن أشد فتنة وقد فتنوكم به ، فعطف عليه قوله : (وَالْفِتْنَةُ) أي العذاب بالإخراج أو غيره من أنواع الإخافة (أَشَدُّ) تليينهم للإسلام (مِنَ الْقَتْلِ) أعم من أن يكون المراد من قتلكم إياهم في الحرم أو غيره أو قتلهم إياكم أو غير ذلك لما فيه من مواصلة الغم القابض للنفس عن مراداتها ، فلذلك سوغنا لكم قتلهم قصاصا بسبب إخراجكم ، فكان المراد بالذات إخراجهم لتمكن الحج والاعتمار ولكنه لما لم يمكن إلا بقتالهم وقتلهم أذن فيهما وقد
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
