للدعوة إيجادا مستمرا (بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ) أي من القرآن والسنة سواء كان قد وجد أو سيوجد ؛ (وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ) أي على الأنبياء الماضين ، ولما كان الإيمان بالبعث من الدين بمكان عظيم جدا بينه بالتقديم إظهارا لمزيد الاهتمام فقال : (وَبِالْآخِرَةِ) أي التي هي دار الجزاء ومحل التجلي وكشف الغطاء ونتيجة الأمر. قال الحرالي : الآخرة معاد تمامه على أوليته. انتهى. ولما تقدم من الاهتمام عبر بالإيقان وأتى بضمير الفصل فقال : (هُمْ يُوقِنُونَ) لأن ذلك قائد إلى كل خير وذائد عن كل ضير ، والإيقان كما قال الحرالي صفاء العلم وسلامته من شوائب الريب ونحوه ، من يقن الماء وهو ما نزل من السماء فانحدر إلى كهف جبل فلم يتغير من قرار ولا وارد. انتهى. فهو يكون بعد شك ولذا لا يوصف به الله. والوصف بهذه الأوصاف كما ترى إشارة إلى أمهات الأعمال البدنية والمالية من الأفعال والتروك ، فالإيمان أساس الأمر والصلاة مشار بها إلى التحلي بكل خير والتخلي عن كل شر (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ) [العنكبوت : ٤٥] وكلاهما من أعمال البدن ، والنفقة عمل مالي ، فحصل بذلك حصر الفعل والترك الضابطين لجميع الأعمال كيف ما تشعبت ، وصرح بالفعل وأومى إلى الترك إيماء لا يفهمه إلا البصراء تسهيلا على السالكين ، لأن الفعل من حيث هو ولو كان صعبا أيسر على النفس من الكف عما تشتهي. وفي وصفهم أيضا بالإيمان بما أنزل إليه وإلى من قبله من التقريع والتبكيت لمن سواهم ما ستراه في الآيات الآتية.
ولما أخبر عن أفعالهم الظاهرة والباطنة أخبر بثمرتها فقال : (أُولئِكَ) أي الموصوفون بتلك الصفات الظاهرات ، ولما تضمن ما مضى أن إيمانهم كان عن أعظم استدلال فأثمر لهم التمسك بأوثق العرى من الأعمال استحقوا الوصف بالاستعلاء الذي معناه التمكن فقال : (عَلى هُدىً) أي عظيم ، وزاد في تعظيمه بقوله : (مِنْ رَبِّهِمْ) أي المحسن إليهم بتمكينهم منه ولزومهم له تمكين من علا على الشيء ، ولما لم يلازم الهدى الفلاح عطف عليه قوله مشيرا بالعاطف إلى مزيد تمكنهم في كل من الوصفين (وَأُولئِكَ) أي العالو الرتبة (رَبِّهِمْ) أي خاصة (الْمُفْلِحُونَ) أي الكاملون في هذا الوصف الذين انفتحت لهم وجوه الظفر ، والتركيب دال على معنى الشق والفتح وكذا أخواته من الفاء والعين نحو فلج بالجيم وفلق وفلذ وفلى.
قال الحرالي : وخرج الخطاب في هذه الآية مخرج المخاطبة للنبي صلىاللهعليهوسلم ومخرج إحضار المؤمنين بموضع الإشارة وهي مكانة حضرة دون مكانة حضرة المخاطب. انتهى. وكونها للبعد إعلام بعلو مقامهم. والفلاح الفوز والظفر بكل مراد ونوال البقاء الدائم في الخير.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
