أَنْفُسَكُمْ)(١) ، روى البخاري والترمذي والنسائي عن البراء أيضا رضي الله تعالى عنه قال : «كان الرجل إذا صام فنام لم يأكل إلى مثلها» (٢) وإن صرمة بن قيس (٣) الأنصاري رضي الله تعالى عنه ـ فذكر حديثه في نومه قبل الأكل وأنه غشي عليه قبل انتصاف النهار فنزلت الآية.
ولما كان ضرر ذلك لا يتعداهم قال : (أَنْفُسَكُمْ ،) ثم سبب عنه قوله : (فَتابَ عَلَيْكُمْ.) قال الحرالي : ففيه يسر من حيث لم يؤاخذوا بذنب حكم خالف شرعة جبلاتهم فعذرهم بعلمه فيهم ولم يؤاخذهم بكتابه عليهم ، وفي التوب رجوع إلى مثل الحال قبل الذنب «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» (٤) وكانت هذه الواقعة لرجل من المهاجرين ورجل من الأنصار ليجتمع اليمن في الطائفتين ، فإن أيمن الناس على الناس من وقع في مخالفة فيسر الله حكمها بوسيلة مخالفته ، كما في هذه الآية التي أظهر الله سبحانه وتعالى الرفق فيها بهذه الأمة من حيث شرع لها ما يوافق كيانها وصرف عنها ما علم أنها تختان فيه لما جبلت عليه من خلافه ، وكذلك حال الآمر إذا شاء أن يطيعه مأموره يأمره بالأمور التي لو ترك ودواعيه لفعلها وينهاه عن الأشياء التي لو ترك ودواعيه لاجتنبها ، فبذلك يكون حظ حفظ المأمور من المخالفة ، وإذا شاء الله تعالى أن يشدد على أمة أمرها بما جبلها على تركه ونهاها عما جبلها على فعله ، فتفشو فيها المخالفة لذلك ، وهو من أشد الآصار التي كانت على الأمم فخفف عن هذه الأمة بإجراء شرعتها على ما يوافق خلقتها ، فسارع سبحانه وتعالى لهم إلى حظ من هواهم ، كما قالت عائشة
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٤٥٠٨ بسنده عن البراء بن عازب به.
(٢) صحيح. أخرجه البخاري ١٩١٥ والترمذي ٢٩٦٨ والنسائي ٤ / ١٤٧ ـ ١٤٨ كلهم عن البراء بن عازب وتمامه : «وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائما ، فلما حضر الإفطار أتى امرأته ، فقال لها أعندك طعام؟ قالت : لا. ولكن أنطلق ، فأطلب لك. وكان يومه يعمل ، فغلبته عيناه ، فجاءته امرأته. فلما رأته قالت : خيبة لك. فلما انتصف النهار غشي عليه ، فذكر ذلك للنبي صلىاللهعليهوسلم ، فنزلت هذه الاية (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ) ففرحوا بها فرحا شديدا. ونزلت (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا) ...» هذا السياق للبخاري.
(٣) قيس بن صرمة ـ بكسر الصاد ـ.
(٤) حسن. أخرجه ابن ماجه ٤٢٥٠ والطبراني في الكبير ١٠٢٨١ وأبو نعيم في الحلية ٤ / ٢١٠ والقضاعي ١٠ كلهم من حديث ابن مسعود. قال الهيثمي في المجمع ١٠ / ٢٠٠ : رجاله رجال الصحيح إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه ـ ابن مسعود ـ. قال ورواه الطبراني من حديث ابن أبي سعيد عن أبيه وفيه من لم أعرفهم ا ه. وقال السخاوي في المقاصد ٣١٣ : حسنه شيخنا ـ ابن حجر ـ لشواهده. قلت : وأخرجه الديلمي ٢٤٣٢ من حديث أنس وإسناده ضعيف إلا أن الحديث بهذه الشواهد يصير حسنا ، والله أعلم.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
