في وقت ، «الريب» التردد بين موقعي تهمة بحيث يمتنع من الطمأنينة على كل واحد منهما. انتهى. وأصله قلق النفس واضطرابه ، ومنه ريب الزمان لنوائبه المقلقة ، ولما كان ذلك يستلزم الهدى قال : (هُدىً) وخص المنتفعين لأن الألد (١) لا دواء له والمتعنت (٢) لا يرده شيء فقال : (لِلْمُتَّقِينَ) أي الذين جبلوا في أصل الخلقة على التقوى ؛ فافهم ذلك أن غيرهم لا يهتدى به بل يرتاب وإن كان ليس موضعا للريب أصلا.
قال الحرالي : جمع المتقي وهو المتوقف عن الإقدام على كل أمر لشعوره بتقصيره عن الاستبداد وعلمه بأنه غير مستغن بنفسه فهو متق لوصفه وحسن فطرته والمتقي كذا متوقف لأجل ذلك ، والتقوى أصل يتقدم الهدى وكل عبادة ، لأنها فطرة توقف تستحق الهدى وكل خير وهي وصية الله لأهل الكتاب. انتهى.
ثم وصفهم بمجامع الأعمال تعريفا لهم فقال : (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) أي الأمر الغائب الذي لا نافع في الإيمان غيره ، وعبر بالمصدر للمبالغة. (وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ) أي التي هي حضرة المراقبة وأفضل أعمال البدن بالمحافظة عليها وبحفظها في ذاتها وجميع أحوالها. ولما ذكر وصلة الخلق بالخالق وكانت النفقة مع أنها من أعظم دعائم الدين صلة بين الخلائق أتبعها بها فقال مقدما للجار ناهيا عن الإسراف ومنبها بالتبعيض على طيب النفقة لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وآمرا بالورع وزاجرا عما فيه شبهة [لأن الرزق يشمل الحلال والحرام والمشتبه] (وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ) أي مكناهم من الانتفاع به على عظمة خزائننا وهو لنا دونهم. (يُنْفِقُونَ) أي في مرضاتنا مما يلزمهم من الزكاة والحج والغزو وغيرها ومما يتطوعون به من الصدقات وغيرها ، والمراد بهذه الأفعال هنا إيجاد حقائقها على الدوام.
قال أبو حيان (٣) وغيره في قوله تعالى في سورة الحج (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ) [الحج : ٢٥] المضارع قد لا يلحظ فيه زمان معين من حال أو استقبال فيدل إذ ذاك على الاستمرار. انتهى. وهذا مما لا محيد عنه وإلا لم يشمل هذا في هذه السورة المدنية من تخلق به قبل الهجرة وقوله تعالى (فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ) [البقرة : ٩١] قاطع في ذلك.
وقال الحرالي : (يُؤْمِنُونَ ،) من الإيمان وهو مصدر آمنه يؤمنه إيمانا إذا آمن من
__________________
(١) يلدّ لددا من باب تعب. اشتدت خصومته ، فهو ألد.
(٢) العنت : الفساد والإثم والهلاك وعنّته تعنيتا شدد عليه وألزمه ما يصعب عليه أداؤه.
(٣) هو الإمام أبو حيان محمد بن يوسف الأندلسي المتوفى سنة : ٧٤٥ من تصانيفه «البحر المحيط في التفسير».
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
