حفظ بدنه بالتغذي وحفظ نسله بالنكاح وخوضه في زور القول وسوء الفعل هو صومه ، وفي الصوم خلاء من الطعام وانصراف عن حال الأنعام وانقطاع شهوات الفرج ، وتمامه الإعراض عن أشغال الدنيا والتوجه إلى الله والعكوف في بيته ليحصل بذلك نبوع الحكمة من القلب ، وجعل كتبا حتى لا يتقاصر عنه من كتب عليه إلا انشرم دينه كما ينشرم خرم القربة المكتوب فيها ـ انتهى. (كَما كُتِبَ) أي فرض ، فالتشبيه في مطلق الفرض (عَلَى الَّذِينَ) وكأنه أريد أهل الكتابين فقط وأثبت الحال فقال : (مِنْ قَبْلِكُمْ) فيه إشعار بأنه مما نقضوا فيه العهد فكتموه حرصا على ضلال العرب ، ولما كان في التأسي إعلاء للهمة القاصرة وإسعار وإغلاء للقلوب الفاترة لأن الشيء الشاق إذا عم سهل تحمله قال : (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) أي تجعلون بينكم وبين إسخاط الله وقاية بالمسارعة إليه والمواظبة عليه رجاء لرضى ربكم وخوفا ممن سبق من قبلكم ، لتكون التقوى لكم صفة راسخة فتكونوا ممن جعلت الكتاب هدى لهم ، فإن الصوم يكسر الشهوة فيقمع الهوى فيروع عن موافقة السوء. قال الحرالي : وفي إشعاره تصنيف المأخوذين بذلك صنفين : من يثمر له صومه على وجه الشدة تقوى ، ومن لا يثمر له ذلك.
ولما كان لهذه الأمة جمع لما في الكتب والصحف كانت مبادىء أحكامها على حكم الأحكام المتقدمة فكما وجهوا وجهة أهل الكتاب ابتداء ثم لهم بالوجهة إلى الكعبة انتهاء كذلك صوّموا صوم أهل الكتاب (أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ) أي قلائل مقدرة بعدد معلوم ابتداء ثم رقوا إلى صوم دائرة الشهر وحدة قدر انتهاء ، وذلك أنه لما كان من قبلهم أهل حساب لما فيه حصول أمر الدنيا فكانت أعوامهم شمسية كان صومهم عدد أيام لا وحدة شهر ، وفي إعلامه إلزام بتجديد النية لكل يوم حيث هي أيام معدودة ، وفي إفهامه منع من تمادي الصوم في زمن الليل الذي هو معنى الوصال الذي يشعر صحته رفع رتبة الصوم إلى صوم الشهر الذي هو دورة القمر يقنع الفطر في ليلة رخصة للضعيف لا عزما على الصائم ، وكان فيه من الكلفة ما في صوم أهل الكتاب من حيث لم يكن فيه أكل ولا نكاح بعد نوم ، فكان فيه كلفة ما في الكتب لينال رأس هذه الأمة وأوائلها حظا من منال أوائل الأمم ثم يرقيها الله إلى حكم ما يخصها فتكون مرباة تجد طعم اليسر بعد العسر ـ انتهى وفيه تصرف. ومذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه تحريم الوصال ، قالوا : يا رسول الله! إنك تواصل! قال : «إني لست كهيئتكم» (١) وقال : «من كان
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ١٩٦١ و ٧٢٤١ ومسلم ١١٠٤ والترمذي ٧٧٨ وأحمد ٣ / ٢٣٥ كلهم من حديث أنس ، ولفظه : لا تواصلوا. قالوا : فإنك تواصل. قال : «لست كأحد منكم. إني أطعم ، وأسقى. أو إني أبيت أطعم ، وأسقى».
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
