إنما هو لله بني للمجهول قوله : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ) أي فرض في الكتاب وقد سمعتم إنذاري للذين اختلفوا في الكتاب ، والذي عين إرادة الفرض أن الكتب استفاض في الشرع في معناه وأشعر به التعبير بعلى (الْقِصاصُ) أي المساواة في القتل والجراحات لأنه من القص وهو تتبع الأثر. قال الحرالي : كأنه يتبع بالجاني إثر ما جنى فيتبع إثر عقوبته إثر جنايته ـ انتهى. (فِي الْقَتْلى) أي في سائر أمور القتل فمن قتل بشيء قتل به ، ومن قتل على كيفية قتل بمثلها ، كان قطع يدا فسرى إلى النفس فتقطعه ، فإن سرى وإلا جززنا رقبته لتكون الآية عامة مخصوصة في بعض الصور ، ومتى لم يقل بالعموم كانت مجملة والتخصيص أولى من الإجمال ، فصدقوا دعواكم الإيمان مما يعمل الأئمة الاستيفاء وغيرهم بالانقياد فيه ولا تكونوا كأهل الكتاب الذين اختلفوا في كتابهم فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه ، وأيضا لما ذكر إيتاء المال على حبه وكان قد ذكر أن البار هو المؤمن بالكتاب وكان من الكتاب بذل الروح المعلوم حبها عقبه به إشارة إلى أن المال عديلها لا يؤتى لأجل الله إلّا بمحض الإيمان كما أن الروح لا تبذل إلا بذلك.
ولما كان أهل الكتاب قد بدلوا حكم التوراة في القصاص الذي أشير بآية المائدة إلى أنه كتب عليهم العدل فيه فكان من كان منهم أقوى جعل لقومه في ذلك فضلا فكان بنو النضير كما نقله ابن هشام في السيرة يأخذون في قتلاهم الدية كاملة وبنو قريظة نصف الدية وكان بعضهم كما نقله البغوي في سورة المائدة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقتل النفس بالنفس أشار سبحانه وتعالى إلى مخالفتهم في هذا الجور مبينا للمساواة : (الْحُرُّ بِالْحُرِّ) ولا يقتل بالعبد لأن ذلك ليس بأولى من الحكم المذكور ولا مساويا بقتل العبد به لأنه أولى ولا بالحكم فهو مفهوم موافقة.
ولما قدم هذا لشرفه تلاه بقوله : (وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ) تعظيما للذكورية ، وكذا يقتل بالحر لأنه أولى ، ولا يقتل الحر بالعبد لأنه ليس مساويا للحكم (وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى) وتقتل الأنثى بالذكر والذكر بها ، لأن كلّا منهما مساو للآخر وفاقا للأصل المؤيد بقوله صلىاللهعليهوسلم «النساء شقائق الرجال» (١) احتياطا للدماء التي انتهاكها أكبر الكبائر بعد الشرك ،
__________________
(١) حسن. أخرجه أبو داود ٢٣٦ والترمذي ١١٣ وأحمد ٦ / ٢٥٦ والديلمي ٦٩٢٨ كلهم من حديث عائشة قالت : «سئل رسول الله صلىاللهعليهوسلم عن الرجل يجد البلل ، ولا يذكر احتلاما؟ قال : يغتسل ، وعن الرجل يرى أنه احتلم ، ولا يجد البلل؟ قال : لا غسل عليه فقالت أم سليم : المرأة ترى ذلك أعليها غسل؟ قال : نعم. إنما النساء شقائق الرجال». قال الترمذي : رواه عبد الله العمري وقد ضعفه يحيى ابن سعيد من قبل حفظه ا ه. قلت : توبع العمري فقد رواه أحمد ٦ / ٣٧٧ من وجه آخر عن إسحاق ابن عبد الله بن أبي طلحة عن جدته أم سليم به وأعله الهيثمي ١ / ٢٦٧. ٢٦٨ جمع بالانقطاع بينهما.
قلت : وهو عند الدارمي برقم ٧٦٦ عن إسحاق هذا عن أنس أن أم سليم. فهذا موصول من يقوي
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
