ونقصت الدية النصف إن كانت بدل الدم وفاقا لقوله تعالى (وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) [البقرة : ٢٢٨] وتنبيها على انحطاط حرمة الأموال عن حرمة الدماء على أن تصيب مفهوم الآية أنه لا يقتل بالمقتول إلا قاتله ، وإذا تأملت قوله (الْقَتْلى) دون أن يقول : القتل. علمت ذلك. قال الحرالي : لأن أخذ غير الجاني ليس قصاصا بل اعتداء ثانيا ولا ترفع العدوى بالعدوى إنما ترفع العدوى بالقصاص على نحوه وحده ـ انتهى. وكذا أخذ غير المساوي اعتداء فلا يقتل مسلم بكافر بما أفهمه القصاص ، وتقييد الحكم بأهل الإيمان مع قوله سبحانه وتعالى (لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ) [الحشر : ٢٠] في أمثالها من الآيات.
ولما فتح سبحانه وتعالى لنا باب الرحمة بالقصاص منبها على تبكيت أهل الكتاب وكان ذلك من حكم التوراة لكن على سبيل الحتم وكان العفو على النصارى كذلك أظهر في الفرقان زيادة توسعة بوضع هذا الإصر عنا بالتخيير بينهما. قال الحرالي : نقلا من عقاب الآخرة إلى ابتلاء الدنيا ونقلا من ابتلاء الدنيا في الدم إلى الكفارة بأخذ حظ من المال كما كان في الفداء الأول لذبح إبراهيم عليه الصلاة والسّلام من ولده فقال : (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ) عن جنايته من العفو وهو ما جاء بغير تكلف ولا كره ـ انتهى. وعبر بالبناء للمفعول إشارة إلى أن الحكم يتبع العفو من أي عاف كان له العفو في شيء من الحق ولو كان يسيرا وهو معنى قوله : (مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) أي أي شيء كان من العفو بالنزول عن طلب الدم إلى الدية ، وفي التعبير بلفظ الأخ كما قال الحرالي تأليف بين الجاني والمجني عليه وأوليائه من حيث (ما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً) [النساء : ٩٢] وإن لم يكن خطأ الطبع فهو خطأ القصد من حيث لم يقصد أن يقتل مؤمنا إنما قصد أن يقتل عدوّا وشاتما أو عاديا على أهله وماله أو ولده. فإذا انكشف حجاب الطبع عاد إلى أخوة الإيمان (فَاتِّباعٌ) أي فالأمر في ذلك اتباع من ولي الدم (بِالْمَعْرُوفِ) فيه توطين النفس على كسرها عن حدة ما تجره إليها أحقاد الجنايات ، والمعروف ما شهد عيانة لموافقته وبقبول موقعه بين الأنفس فلا يلحقها منه تنكر.
ولما أمر المتبع أمر المؤدي فقال (وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ) لئلا يجمع بين جنايته أو جناية وليه وسوء قضائه ، وفي إعلامه إلزام لأولياء الجاني بالتذلل والخضوع والإنصاف لأولياء المقتول بما لهم من السلطان (فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً) [الإسراء : ٢٢] فيراقبون فيهم رحمة الله التي رحمهم بها فلم يأخذ الجاني بجنايته ـ انتهى.
__________________
ـ الحديث. وانظر تعليقات أحمد شاكر على الترمذي حيث استوفى الكلام عليه وقواه ١ / ١٩١.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
