الشهادة أن يجمع حواسه إلى قلبه ويحضر في قلبه كل جارحة فيه وينطق بلسانه عن جميع ذاته أحوال نفس وجوارح بدن حتى يأخذ كل عضو منه وكل جارحة فيه وكل حال لنفسه قسطه منها كما أشار إليه رسول الله صلىاللهعليهوسلم واعلم أن بذلك «تتحات عنه الذنوب كما يتحات الورق عن الشجر» (١) فلم يقرأ تهليل القرآن من لم يكن ذلك حاله فيه وكذلك في تشهد الأذان ، وبذلك يهدم التهليل سيئاته في الإسلام كما هدم من المخلص به جرائم الكفران ، «سمع النبي صلىاللهعليهوسلم رجلا يؤذن فلما قال : الله أكبر الله أكبر ، قال : على الفطرة ، فلما قال : لا إله إلّا الله ، قال : خرجت من النار» (٢) وأما أدب الصلاة فخشوع الجوارح والهدو في الأركان وإتمام كل ركن بأذكاره المخصوصة به وجمع الحواس إلى القلب كحاله في الشهادة حتى لا يحقق مدرك حاسة غفلة ، وأما أدب الإنفاق فحسن المناولة ، كان النبي صلىاللهعليهوسلم يناول السائل بيده ولا يكله إلى غيره الإسرار أتم (وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) [البقرة : ٢٧١] وينفق من كل شيء بحسب ما رزقه مياومة أو مشاهرة أو مسانهة (وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) [البقرة : ٣] وأما أدب الصوم فالسحور مؤخرا والفطر معجلا ، وصوم الأعضاء كلها عن العدل فأحرى عن الجور وترك العناية بما يفطر عليه إلى ما بعد الزوال والأخذ فيه لشهوة العيال ؛ وأما أدب الحج فاستطابة الزاد والاعتماد على ما بيد الله لا على حاصل ما بيد العبد ، وهو تزود التقوى والرفع مع الرفيق والرفق بالظهر وتحسين الأخلاق والإنفاق في الهدي وهو الثج (٣) والإعلان بالتلبية وهو العج (٤) ، وتتبع أركانه على ما تقتضيه أحكامه وإقامة شعائره على معلوم السنة لا على معهود العادة ، وأما أدب الجهاد فاستطابة الزاد وإصلاح العدة ومياسرة الخلطاء وحسن القيام على الخيل وتطييب علفها تصفية وورعا وتناوله بيده «كان رسول الله صلىاللهعليهوسلم يتناول علف فرسه بيده ويمسحه بردائه» (٥) والتزام ما يجد معه المنة من
__________________
(١) صحيح. يشير المصنف بما أخرجه البزار كما في المجمع ٨ / ٣٧ من حديث أبي هريرة : أن النبي صلىاللهعليهوسلم لقي حذيفة ، فأراد أن يصافحه ، فتنحى حذيفة فقال : إني كنت جنبا. فقال : إن المسلم إذا صافح أخاه تحاتّت خطاياهما كما يتحاتّ ورق الشجر. قال الهيثمي : فيه مصعب بن ثابت وثقه ابن حبان ، وضعفه الجمهور. وورد من حديث سلمان عند الطبراني ورجاله رجال الصحيح خلا سالم بن غيلان ، وهو ثقة. ورواه الطبراني من حديث حذيفة وإسناده لا بأس به ا ه. وقال المنذري في ترغيبه ٣ / ٤٣٣ : حديث حذيفة لا أعلم فيه مجروحا ، وحديث سلمان إسناده حسن ا ه. فالحديث صحيح بشواهده.
(٢) صحيح. أخرجه مسلم ٣٨٢ والترمذي ١٦١٨ وأبو عوانة ١ / ٣٣٦ وأحمد ٣ / ١٣٢. ٢٢٩. ٢٤١. ٢٥٣. ٢٧٠ وابن خزيمة ٤٠٠ وصححه وابن حبان ١٦٦٥ والبيهقي ١ / ٤٠٥ كلهم من حديث أنس.
(٣) ثجّ الماء والدم : سيّله. وهو أيضا سيلان دماء الهدي.
(٤) العجّ : رفع الصوت بالتلبية.
(٥) غريب هكذا. وقد ذكر عياض في الشفا ١ / ١٣٢. ١٣٣ عن عائشة والحسن وأبي سعيد وغيرهم
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
