كله ، ذلك من تنزل القرآن من بين إفصاح وإفهام في هذا الحرف ، وهو وفاء الدين والتعبد لله رب العالمين. ثم قال فيما به تحصل قراءة حرف الأمر : اعلم أن الوفاء بقراءة حرف النهي تماما يفرغ لقراءة حرف الأمر ، لأن المقتنع في معاش الدنيا يتيسر له التوسع في عمل الأخرى ، والمتوسع في متاع الدنيا لا يمكنه التوسع في عمل الأخرى لما بينهما من التضار والتضاد ، والذي تحصل به قراءة هذا الحرف أما من جهة القلب فالتوحيد والإخلاص ، وأعم ذلك البراءة من الشرك العظيم لئلا يتخذ مع الله إلها آخر ، لأن المشرك في الإلهية لا تصح منه المعاملة بالعبادة (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ) [إبراهيم : ١٨] وأخص منه الإخلاص بالبراءة من الشرك الجلي بأن لا يرى لله سبحانه وتعالى شريكا في شيء من أسمائه الظاهرة ، لأن المشرك في سائر أسمائه الظاهرة لا يصح له القبول ، والذي يحلف به عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه : لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر ، ولكل عمل من المأمورات خصوص اسم في الإخلاص كإخلاص المنفق بأن الإنعام من الله سبحانه وتعالى لا من العبد المنفق ، وكإخلاص المجاهد بأن النصر من الله سبحانه وتعالى لا من العبد المجاهد (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ) [آل عمران : ١٢٦ والأنفال : ١٠] وكذلك سائر الأعمال يخصها الإخلاص في اسم من الأسماء يكون أملك بذلك العمل ، وأما من جهة أحوال النفس فأولها وأساسها طمأنينة النفس بربها في قوامها من غير طمأنينة لشيء سواه ، فمتى اطمأنت النفس بما تقدر عليه وما لها من منة أو بما تملكه من مملوك أو بما تستند إليه من غير ردت جميع عباداتها لما اطمأنت إليه وكتب اسمها على وجهه وكانت أمته لا أمة ربها وكان المرء عبده لا عبد ربه «تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة» (١) وهذا هو الذي أحبط عمل العاملين من حيث لا يشعرون ، وأما من جهة ما يخص كل واحد من الأوامر في أحوال النفس فما يناسبه من أحوالها وأخلاقها كاجتماعها في الصلاة بأن لا تصغي لوسواس الشيطان وأن لا تتحدث في تسويلها ، وكسماحها وسخائها في الإنفاق وإيتاء الزكاة ، وكصبرها في الصوم والصوم الصبر كلّه ، ويصحبها كل ذلك في الحج مع زيادة اليقين ، ويصحبها الجميع في الجهاد مع غريزة الشجاعة ، هذا من جهة حال النفس وأما من جهة العمل وأحوال الجوارح فإن أدب الناطق بكلمة
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٢٨٨٦ و ٢٨٨٧ و ٦٤٣٥ وابن ماجه ٤١٣٥ وابن حبان ٣٢١٨ والبيهقي ١٠ / ٢٤٥ والبغوي ٤٠٥٩ من طرق كلهم من حديث أبي هريرة بزيادة : وعبد القطيفة ، وعبد الخميصة إن أعطي منها رضي ، وإن منع سخط.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
