في الشهوات وذلك لا يليق بالمؤمنين المؤثرين للدين على الدنيا ، ثم أنزل الله سبحانه وتعالى إتمامه بقوله تعالى : (شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) [البقرة : ١٨٥] إلى ما يختص من الآي بأحكام الصيام. الركن الآخر الزكاة وهو كسر نفس الغني بما يؤخذ بأخذه منه من حق أصنافها إظهارا لأن المشتغلين بالدين آثر عند الله سبحانه وتعالى من المقيمين على الأموال وليميز بها الذين آمنوا من المنافقين لتمكنهم من الرياء في العمود والركنين ، ولم يشهد الله سبحانه وتعالى بالنفاق جهرا أعظم من شهادته على مانع الزكاة ، ومن منع زكاة المال عن الخلق كان كمن امتنع عن زكاة قواه بالصلاة من الحق ، فلذلك لا صلاة لمن لا زكاة له ، وكما كانت الزكاة حبا قبل فرضها كذلك كان الإنفاق لما زاد على الفضل عزما مشهورا عندهم لا يعرفون غيره ولا يشعرون في الإسلام بسواه ، فلما شمل الإسلام أخلاط وشحت النفوس فرضت الزكاة وعين أصنافها ، وذلك بالمدينة حين اتسعت أموالهم وكثر خير الله عندهم وحين عم نفاق قوم بها أنفة من حط رئاستهم بتذلل الإسلام لله والنصفة بخلق الله وتبين فيها الخطاب مرة لأرباب الأموال بقوله تعالى : (وَآتُوا الزَّكاةَ) [البقرة : ٤٣] لتكون لهم قربة إذا آتوها سماحا ومرة للقائم بالأمر بقوله تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً) [التوبة : ١٠٣] حين يؤنس من نفوسهم شح وشدد الله سبحانه وتعالى فيها الوعيد في القرآن جبرا لضعف أصنافها ونسق لذلك جميع ما أنزل في بيان النفقات والصدقات بدارا عن حب أو ائتمارا عن خوف. الركن الآخر الحج وهو حشر الخلق من أقطار الأرض للوقوف بين يدي ربهم في خاتم منيتهم ومشارفة وفاتهم ليكون لهم أمنة من حشر ما بعد مماتهم ، فكمل به بناء الدين وذلك في آواخر سني الهجرة ومن آخر المنزل بالمدينة ، وأول خطابه (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) [آل عمران : ٩٧] بتنبيهه على أذان إبراهيم عليه الصلاة والسّلام (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً) [الحج : ٢٧] إلى ما أنزل في أمر الحج وأحكامه الحظيرة الحائط وهي الجهاد ، ولم تزل مصاحبة الأركان كلها إما مع ضعف كما بمكة أو مع قوة كما في المدينة ، ومن أول تصريح منزله (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) [الحج : ٣٩] إلى قوله (وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) [التوبة : ٣٦] (قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ) [التوبة : ١٢٣] إلى قوله : (جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ) [التوبة : ٧٣] إلى انتهاء قتال أهل الكتاب في قوله تعالى (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) [التوبة : ٢٩] الآية إلى تمام المنزل في شأنه في قوله تعالى (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) [الأنفال : ٣٩] وهذا تمام حرف الأمر ؛ ولكل في ذلك الظاهر في الإسلام موقع حدوده في الإيمان وموقع في الإحسان لدى ثلاثتها الذي هو كمال الدين
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
