الله سبحانه وتعالى في الله. قال الحرالي : فمن ظن أن حاجته يسدها المال فليس برا ، إنما البر الذي أيقن أن حاجته إنما يسدها ربه ببره الخفي ـ انتهى. فلذلك قال : (وَآتَى الْمالَ) أي الذي أباحه بعد جعله دليلا عليه كرم نفس وتصديق إيمان بالاعتماد في الخلف على من ضمن الرزق وهو على كل شيء قدير ؛ وأشار إلى أن شرط الإيمان به إيثاره سبحانه وتعالى على كل شيء بقوله : (عَلى حُبِّهِ) أي إيتاء عاليا فيه حب الله على حبه المال إشارة إلى التصدق في حال الصحة والشح بتأميل الغنى وخشية الفقر ؛ وأشار إلى أنه لوجهه لا لما كانوا يفعلونه في الجاهلية من التفاخر فقال : (ذَوِي الْقُرْبى) أي لأنهم أولى الناس بالمعروف لأن إيتاءهم صدقة وصلة (وَالْيَتامى) من ذوي القربى وغيرهم لأنهم أعجز الناس (وَالْمَساكِينَ) لأنهم بعدهم في العجز ويدخل فيهم الفقراء بالموافقة (وَابْنَ السَّبِيلِ) لعجزهم بالغربة ، وإذا جعلنا ذلك أعم من الحال والمآل دخل فيه الغازي (وَالسَّائِلِينَ) لأن الأغلب أن يكون سؤالهم عن حاجة ويدخل الغارم (وَفِي الرِّقابِ) قال الحرالي : جمع رقبة وهو ما ناله الرق من بني آدم فالمراد الرقاب المسترقة التي يرام فكها بالكتابة وفك الأسرى منه ، وقدم عليهم أولئك لأن حاجتهم لإقامة البينة.
ولما ذكر سبحانه وتعالى مواساة الخلق وقدمها حثا على مزيد الاهتمام بها لتسمح النفس بما زين لها حبه من المال اتبعها حق الحق فقال : (وَأَقامَ الصَّلاةَ) التي هي أفضل العبادات البدنية ولا تكون إلا بعد سد أود الجسد ولا تكون إقامتها إلا بجميع حدودها والمحافظة عليها. ولما ذكر ما يزكي الروح بالمثول بين يدي الله سبحانه وتعالى والتقرب بنوافل الصدقات ذكر ما يطهر المال وينميه وهو حق الخلق فقال : (وَآتَى الزَّكاةَ) وفي الاقتصار فيها على الإيتاء إشعار بأن إخراج المال على هذا الوجه لا يكون إلا مع الإخلاص.
ولما أتم الإيمان وما يصدق دعواه في الجملة شرع في كمال ذلك فعطف على أول الكلام ما دل بعطفه كذلك على أنه مقصود لذاته فإنه جامع لدخوله في جميع ما تقدمه فقال : (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ) قال الحرالي : من الإيفاء وهو الأخذ بالوفاء نجاز الموعود في أمر المعهود ـ انتهى. وبين قوله : (إِذا عاهَدُوا) أن المطلوب ما ألزموا أنفسهم به للحق أو الخلق تصريحا بما أفهمه ما قبله. ولما قطع الوفاء تعظيما له لدخوله فيما قبل فعل كذلك في الصبر لذلك بعينه فقال : (وَالصَّابِرِينَ) وفيه رمز إلى معاملته بما كان من حقه لو عطف على (مَنْ آمَنَ) لو سيق على الأصل. قال الحرالي : وفيه إشعار بأن من تحقق بالصبر على الإيثار فكان شاكرا تحقق منه الصبر في الابتلاء والجهاد تأييدا من الله سبحانه وتعالى لمن شكره ابتداء بإعانته على الصبر والمصابرة انتهاء ، كأنه لما
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
