جاد بخير الدنيا على حبه أصابه الله ببلائها تكرمة له ليوفيه حظه من مقدوره في دنياه فيكون ممن يستريح عند موته وبأنه إن جاهد ثبت بما يحصل في نفس الشاكر الصابر من الشوق إلى لقاء الله سبحانه وتعالى تبرؤا من الدنيا وتحققا بمنال الخير من الله ـ انتهى.
وعين أشد ما يكون الصبر فيه فقال : (فِي الْبَأْساءِ) أي عند حلول الشدة بهم في أنفسهم من الله سبحانه وتعالى بلا واسطة أو منه بواسطة العباد (وَالضَّرَّاءِ) بحصول الضر في أموالهم وبقية أحوالهم من احتقار الناس لهم ونحوه ، وفسرها في القاموس بالشدة والنقص في الأموال والأنفس فهو حينئذ أعم ليكون الأخص مذكورا مرتين. وقال الحرالي : البأساء فعلاء من البؤس وهو سوء الحال والفاقة وفقد المنة عن إصلاحه ، والضراء مرض البدن وآفاته ، فكان البأساء في الحال والضراء في البدن ـ انتهى. (وَحِينَ الْبَأْسِ) أي الحرب الجامع للأنفس والأموال. وقال الحرالي : البأس الشدة في الحرب. ولما كانت هذه الخلال أشرف خلال أشار إلى شرفها بشرف أهلها فقال مستأنفا بيانا لأنه لا يستحق اسم البر إلا من اجتمعت فيه هذه الخلال : (أُولئِكَ) أي خاصة الذين علت هممهم وعظمت أخلاقهم وشيمهم (الَّذِينَ صَدَقُوا) أي فيما ادعوه من الإيمان ، ففيه إشعار بأن من لم يفعل أفعالهم لم يصدق في دعواه (وَأُولئِكَ هُمُ) خاصة (الْمُتَّقُونَ) ليوم الجزاء ، وفي جعله نعتا لهم إشعار بأنهم تكلفوا هذه الأفعال لعظيم الخوف. وقال ابن الزبير في برهانه : ثم ذكر الزكاة والصيام والحج والجهاد إلى غير ذلك من الأحكام كالنكاح والطلاق والعدد والحيض والرضاع والحدود والربا والبيوع إلى ما تخلل هذه الآيات من تفاصيل الأحكام ومجملها وقدم منها الوفاء بالعهد والصبر ، لأن ذلك يحتاج إليه في كل الأعمال ، وما تخلل هذه الآيات من لدن قوله (لَيْسَ الْبِرَّ) إلى قوله : (آمَنَ الرَّسُولُ) مما ليس من قبيل الإلزام والتكليف فلتسبب أوجب ذكره ولتعلق استدعاه ـ انتهى. والحاصل أنه سبحانه وتعالى لما طهرهم من أوصار المحارم بقوارع الزواجر شرع في تزكيتهم بالإقحام في غمرات الأوامر ليكمل تعبدهم بتحليهم بأمره بعد تخليهم من سخطه بصادع زجره فذكر في هذه السورة جميع أركان هذا الحرف وحظيرته. قال الإمام أبو الحسن الحرالي في العروة : وجه إنزال هذا الحرف حمل الخلق على صدق التذلل لله سبحانه وتعالى إثر التطهير من رجزهم ليعود بذلك وصل ما انقطع وكشف ما انحجب وهو حرف العبادة المتلقاة بالإيمان المثابر عليها بسابق الخوف المبادر لها تشوقا بصدق المحبة ، فالعابد من ساقه الخوف إليها والعارف من قاده الحب لها وهو بناء ذو عمود وأركان وله حظيرة تحوطه ، فأما عموده فافراد التذلل لله سبحانه وتعالى توحيدا وطليعته آية ما كان نحو قوله سبحانه وتعالى
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
