الاستقبال وغيرها فقال تعالى : (لَيْسَ الْبِرَّ) أي الفعل المرضي الذي هو في تزكية النفس كالبر في تغذية البدن (أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ) أي في الصلاة (قِبَلَ الْمَشْرِقِ) الذي هو جهة مطالع الأنوار (وَالْمَغْرِبِ) الذي هو جهة أفوالها أي وغيرهما من الجهات المكانية ، فإن ذلك كله لله سبحانه وتعالى كما مضى عند أول اعتراضهم التصريح بنسبة الكل إليه (فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) [البقرة : ١١٥]
ولما كان قد بين للمتقين كما ذكر قبل ما يخرج عن الصراط المستقيم وحذروا منه ليجتنبوه عقبه بما يلزمهم ليعملوه فابتدأ من هنا بذكر الأحكام إلى قوله (آمَنَ الرَّسُولُ) [البقرة : ٢٥٨] وبدأ ذلك بما بدأ به السورة وفصل لهم كثيرا مما كلفوه مما أجمله قبل ذلك ففصل الإيمان تفصيلا لم يتقدم فقال : (وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ) أي إيمان من ، ولعله عبر بذلك إفهاما لأن فاعل ذلك نفسه بر أي أنه زكى حتى صار نفس الزكاة (آمَنَ بِاللهِ) الذي دعت إليه آية الوحدانية فأثبت له صفات الكمال ونزهه عن كل شائبة نقص مما على ذلك من دلائل أفعاله. ولما كان من أهم خلال الإيمان القدرة على البعث والتصديق به لأنه يوجب لزوم الخير والبعد عن الشر قال : (وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) الذي كذب به كثير من الناس فاختل نظامهم ببغي بعضهم على بعض ، فالأول مبرأ عن الأنداد وهذا مبعد عن أذى العباد.
ولما كان هذا إيمان الكمل وكان أكثر الناس نيام العقول لا يعرفون شيئا إلا بالتنبيه وضلال البصائر يفترقون إلى الهداية ذكر سبحانه وتعالى الهداة الذين جعلهم وسائط بينه وبين عباده بادئا بالأول فالأول فقال : (وَالْمَلائِكَةِ) أي الذين أقامهم فيما بينه وبين الناس وهم غيب محض (وَالْكِتابِ) الذي ينزلون به على وجه لا يكون فيه ريب أعم من القرآن وغيره (وَالنَّبِيِّينَ) الذين تنزل به عليهم الملائكة ، لكونهم خلاصة الخلق ، فلهم جهة ملكية يقدرون بها على التلقي من الملائكة لمجانستهم إياهم بها ، وجهة بشرية يتمكن الناس بها من التلقي منهم ، ولهم من المعاني الجليلة الجميلة التي صرفهم الله فيها بتكميل أبدانهم وأرواحهم ما لا يعلمه إلا هو فعليهم الصلاة والسّلام والتحية والإكرام. قال الحرالي : ففيه أي الإيمان بهم وبما قبلهم قهر النفس للإذعان لمن هو من جنسها والإيمان بغيب من ليس من جنسها ليكون في ذلك ما يزع النفس عن هواها ـ انتهى. وكذا فضل سبحانه وتعالى الصدقة ، وفي تعقيب الإيمان بها إشعار بأنها المصدقة له فمن بخل بها كان مدعيا للإيمان بلا بينة ، وإرشاد إلى أن في بذلها سلامة من فتنة المال (إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ) [التغابن : ١٥] لأن من آمن وتصدق كان قد أسلم لله روحه وماله الذي هو عديل روحه فصار عبد الله حقا ، وفي ذلك إشارة إلى الحث على مفارقة كل محبوب سوى
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
