كتموا العلم (وَلَهُمْ) مع هذا العذاب (عَذابٌ أَلِيمٌ) لما أوقعوا فيه الناس من التعب بكتمهم عنهم ما يقيمهم على المحجة السهلة.
ولما ذكر جزاءهم أتبعه ترجمة حالهم مؤكدا لبعدهم فقال : (أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا) أي لجاجا وتماديا في الغي (الضَّلالَةَ) عن طريق الخير (بِالْهُدى) ولما ذكر حالهم في الدنيا أتبعه أمر الآخرة فقال : (وَالْعَذابَ) بارتكابهم هذه الموبقة (بِالْمَغْفِرَةِ) التي كانت تنجيهم إذا محت صغائرهم لو سلموا من هذه العضلة التي كانت سببا لضلال خلق كثير فكان عليهم وزرهم. ولما جعل سبحانه وتعالى أول مأكلهم نارا وآخر أمرهم عذابا وترجمة حالهم عدم المغفرة فكان بذلك أيضا أوسط حالهم نارا سبب عنه التعجيب من أمرهم بحبسهم أنفسهم في ذلك الذي هو معنى الصبر لالتباسهم بالنار حقيقة أو بموجباتها من غير مبالاة فقال : (فَما أَصْبَرَهُمْ) أي ما أشد حبسهم أنفسهم أو ما أجرأهم (عَلَى النَّارِ) التي أكلوها في الدنيا فأحسوا بها في الأخرى ـ ذكر كثيرا من ذلك الحرالي غير أني تصرفت فيه ؛ وإذا جعلته مجازا كان مثل قولك لمن عاند السلطان : ما أصبرك على السجن الطويل والقيد الثقيل! تهديدا له.
ولما ذكر جزاءهم وشرح حالهم والتعجيب من أمرهم ذكر السبب الموجب لهذا الإبعاد العظيم والتهديد الكبير فقال : (ذلِكَ) مشيرا بأداة البعد (بِأَنَّ اللهَ) فذكر الاسم الأعظم أيضا الذي معناه أن له جميع صفات الكمال تعظيما للمقام (نَزَّلَ الْكِتابَ) أي الجامع لأنواع الهدى (بِالْحَقِ) منجما تقريبا للأفهام وتدريبا للخاص والعام ، وهو صالح لإرادة القرآن والتوراة أي الثابت الكامل في الثبات ، فمن كتمه فقد حاول نفي ما أثبته الله تعالى فقد ضاد الله في ملكه ، ومن خالف فيه وهو الذي لا شبهة تلحقه فقد عد الواضح ملبسا فقد أبعد المرمى.
ولما كان التقدير : فاختلفوا ، أتبعه قوله : (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا) أي خالف بعضهم بعضا (فِي الْكِتابِ) نفسه أي لا في فهمه ، وهذه العبارة تدل على أن الاختلاف قول بعض في الكتاب كله أو في شيء منه هو باطل والإقرار ببعض أحكامه والإنكار لبعضها وتحريف الكلم عن مواضعه ونحو هذا (لَفِي شِقاقٍ) لكون كل واحد منهم في شق (بَعِيدٍ) جدا عن شق أهل الحق ، ولذلك خاف الصحابة رضوان الله تعالى عليهم من اختلاف أهل هذا الدين في القرآن كما اختلف اليهود والنصارى فجمعوهم على مصحف واحد ، فليس الاختلاف في وجوه الروايات وأنحاء الفهم من ذلك ؛ وقد وقع كما ترى تنبيه المشركين من العرب بدون ما تضمنه تنبيه بني إسرائيل من التقريع والتوبيخ لفرقان ما بينهم ، لأن كفر المشركين عن جهل وكفر أولئك عن تعنت بعد تكرر مشاهدة
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
