المحرم له حلالا لأخذه منه عند الضرورة تقوتا لا تشهّيا ، ويصير الحلال له طيبا لاقتناعه منه بالكفاف دون التشهي (يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ) [المائدة : ٤] وفي مورد هذين الخطابين بيان أن كلمة (لِلنَّاسِ) واقعة على سن من أسنان القلوب وكلمة (الَّذِينَ آمَنُوا) واقعة على سن فوقه وليس يقع على عموم يشمل جميع الأسنان القلبية ، فتوهم ذلك من أقفال القلوب التي تمنع تدبر القرآن ، لأن خطاب القرآن يتوجه لكل أولي سن على حسب سن قلوبهم ، لا يصلح خطاب كل سن إلا له يتقاصر عنه من دونه ولا يحتاج إليه من فوقه ، وهي أسنان متعددة : سن الإنسان ثم سن الناس ، ثم سن الذين آمنوا ، ثم سن الذين يؤمنون ، ثم سن المؤمنين ، ثم سن المؤمنين حقا ، ثم سن المحسنين ؛ هذه أسنان سبعة خطاباتها مترتبة بعضها فوق بعض ، ومن وراء ذلك أسنان فوقها من سن الموقنين وما وراء ذلك إلى أحوال أثناء هذه الأسنان من حال الذين أسلموا والمسلمين ومن يوصف بالعقل والذكر والفكر والسماع وغير ذلك من الأوصاف التي تلازم تلك الأسنان في رتب متراقية لا يشمل أدناها أعلاها ولا ينهض أدناها لرتبة خطاب أعلاها إلى ما وراء ذلك من خصوص خطاب النبي صلىاللهعليهوسلم فيه بما لا يليق إلا به وبمن هو منه من إله ، وفي انتظام تفصيل هذه الرتب جامعة لما يقع من معناه في سائر القرآن ـ انتهى. ولما كانت هذه الرتبة كما تقدم أرفع من رتبة الناس خص في خطابهم بعد بيان أن ما لم يحل خبيث فقال : (مِنْ طَيِّباتِ) ولم يأت بذلك العموم الذي تألف به (النَّاسِ).
ولما كانوا في أول طبقات الإيمان نبههم على الشكر بقوله في مظهر العظمة : (ما رَزَقْناكُمْ) وأخلصناه لكم من الشبه ، ولا تعرضوا لما فيه دنس كما أحله المشركون من المحرمات ، ولا تحرموا ما أحلوا منها من السائبة وما معها ثم صرح به في قوله آمرا أمر إيجاب : (وَاشْكُرُوا لِلَّهِ) أي وخصوا شكركم بالمنعم الذي لا نعمة إلا منه ، وهذا بخلاف ما يأتي في سورة المؤمنين خطابا لأعلى طبقات الخلّص وهم الرسل.
ولما كان الشكر لا يصح إلا بالتوحيد علقه باختصاصهم إياه بالعبادة فقال : (إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ) أي وحده (تَعْبُدُونَ) فإن اختصاصه بذلك سبب للشكر ، فإذا انتفى الاختصاص الذي هو السبب انتفى الشكر ، وأيضا إذا انتفى المسبب الذي هو الشكر انتفى الاختصاص لأن السبب واحد ، فهما متساويان يرتفع كل واحد منهما بارتفاع الآخر. وقال الحرالي : ولما كان هذا الخطاب منتظما لتناول الطيب والشكر وحقيقته البذل من الطيب فشكر كل نعمة إظهارها على حدها من مال أو جاه أو علم أو طعام أو شراب أو غيره وإنفاق فضلها والاقتناع منها بالأدنى والتجارة بفضلها لمبتغى الأجر
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
