فيه كراعي البهم فهو موضع مثله ، وراعي البهم من حيث إن بهمه لا ترجع إلا بضربة بالحجر أو غيره كالسوط الذي يقمع به الأصم أو كضارب الأصم المذكور فهو محل مثله ؛ فلذلك كانت نتيجة التمثيل قوله : (صُمٌ) أي لا يسمعون (بُكْمٌ) أي لا ينطقون (عُمْيٌ) أي لا يبصرون ، وقد علم بهذا أن الآية من الاحتباك حذف من الأول مثل الداعي لدلالة الناعق عليه ومن الثاني المنعوق به لدلالة المدعوين عليه. ولما كان موجود إدراك العقل هو حقائق المحسوسات وقد نفى عنهم الحس المدرك للمحسوسات ترتب عليه قوله (فَهُمْ) بالفاء ربطا وتعقيبا وتسبيبا (لا يَعْقِلُونَ) لأنهم لا ينتفعون بعقولهم كما أن هذا الأصم كذلك ، ونفاه بلا النافية للممتنع وصيغة المضارع المنبئة عن الدوام ـ قاله الحرالي.
ولما أخبر سبحانه وتعالى أن الدعاء لا يزيدهم إلا نفورا رقي الخطاب من الناس إلى أعلى منهم رتبة فقال آمرا لهم أمر إباحة أيضا وهو إيجاب في تناول ما يقيم البينة ويحفظها : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا.) وقال الحرالي : لما كان تقدم الخطاب في أمر الدين في رتبتين أولاهما (يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) [البقرة : ٢١] وثانيتهما (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا) [البقرة : ١٠٤] فأمر الناس فيه بالعبادة وأمر الذين آمنوا بحسن الرعاية مع النبي صلىاللهعليهوسلم ، كذلك هنا أمر الناس بالأكل مما في الأرض ونهى عن اتباع خطوات الشيطان ، وأشعر الخطاب بأنهم ممن يتوجه الشيطان نحوهم للأمر بالسوء والفحشاء والقول بالهوى ، وأمر الذين آمنوا بالأكل (مِنْ طَيِّباتِ) فأعرض في خطابهم عن ذكر الأرض لتناولهم الرزق من السماء ، فإن أدنى الإيمان عبادة من في السماء واسترزاق من في السماء كما قال للسوداء : «أين الله؟ قالت : في السماء ، قال : أعتقها فإنها مؤمنة» (١) قال سبحانه وتعالى : (وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ) [الذاريات : ٢٢] ، فأطعم الأرضيين وهم الناس مما في الأرض وأطعم السماويين وهم الذين آمنوا من رزق السماء كذلك ، وخص هذا الخطاب بلفظ الحلال لما كان آخذا رزقه من السماء متناولا طيبة لبراءته من حال مما في الأرض مما شأنه ضر في ظاهر أو أذى في باطن ، ولذلك «ولو كانت الدنيا دما عبيطا لكان قوت المؤمن منها حلالا» (٢) ، فالمسترزق من السماء يصير
__________________
(١) تقدم.
(٢) قال السخاوي في المقاصد الحسنة ٨٩٨ : لا يعرف له إسناد.
وقال العجلوني في الكشف ٢١٠٨ : وقال النجم : هو في كلام الفضيل بن عياض. وقال الزركشي لا أصل له ا ه يعني مرفوعا. والبسيط : لحم ودم ، وزعفران عبيط بيّن العبطة بالفم طريّ ، وقيل : عبيطا أي طريا ، وعبط الذبيحة : نحرها من غير علة ، وهي سمينة فتية.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
