حرف النهي علما ، وبرىء من حوادّ القلوب طمأنينة ، وتمم وأنهى صفوة للمرسلين فقال (يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ) [المؤمنون : ٥١] وورد جوابا لسؤالهم في قوله تعالى (يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ) [المائدة : ٤] ؛ فمن آثر حرف النهي على حرف الحلال فقد تزكى واتبع الأحسن وصح هداه وصفا لبّه ومن آثر حرف الحلال على حرف النهي فقد تدسّى (١) وحرم هدى الكتب وعلم الحكمة ومزيد التأبيد بما فاته من التزكية وتورط فيه من التدسية والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ثم قال فيما به تحصل قراءته : اعلم أن الإنسان لما كان جامعا كان بكل شيء منتفعا أما في حال السعة فمع استثناء أشياء يسيرة مما يضره من جهة نفسه أو غيره أو ربه على ما ذكر في الفصل الأول أي حرف الحرام (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً) [البقرة : ٢٩] (قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً) [الأنعام : ١٤٥] الآية : وأما في حال الضرورة فبغير استثناء البتة (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) [البقرة : ١٧٣] (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [المائدة : ٣] ؛ والذي تحصل به قراءة هذا الحرف أما من جهة القلب فمعرفة حكمة الله في المتناول من مخلوقاته ومعرفة أخص منافعها مما خلقه ، ليكون غذاء في سعة أو ضرورة وإداما أو فاكهة أو دواء كذلك ؛ ومعرفة موازنة ما بين الانتفاع بالشيء ومضرته واستعماله على حكم الأغلب من منفعته ، أو اجتنابه على حكم الأغلب من مضرته (قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما) [البقرة : ٢١٩] وذلك مدرك عن الله سبحانه وتعالى باعتبار العقل وإدراك الحس في مخلوقاته كما أدركه الحنيفيون ، كان الصديق رضي الله تعالى عنه قد حرم الخمر على نفسه في الجاهلية ، وكان إذا أخذ عليه في ذلك يقول : والله لو أصبت شيئا أشتريه بمالي كله يزيد في عقلي لفعلت فكيف أشتري بمالي شيئا ينقص من عقلي! وكان رسول الله صلىاللهعليهوسلم كثيرا ما ينبه على حكمة الله سبحانه وتعالى في الأشياء التي بها تتناول أو تجتنب عملا بقوله تعالى (يُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ) [آل عمران : ١٦٤] فقال لطلحة رضي الله تعالى عنه وقد ناوله سفرجلة «تذهب بطخاء الفؤاد» (٢) وقال لأبي هريرة رضي الله تعالى عنه وهو رمد في خبز الشعير والسلق : «كل
__________________
(١) دسّاه تدسية : أغواه وأفسده.
(٢) ضعيف. أخرجه الحاكم ٣ / ٣٧٠ وابن الجوزي في الواهيات ١٠٨٥ كلاهما من حديث طلحة بن عبيد الله صححه الحاكم ، وتعقبه الذهبي بأن فيه عبد الرحمن بن حماد الطلحي قال أبو حاتم : منكر الحديث ا ه وأخرجه ابن الجوزي أيضا ١٠٨٧ وابن حبان في المجروحين ١ / ٢٣٩ وكذا الطبراني كما في المجمع ٥ / ٤٥ وقال الهيثمي : فيه علي القرشي لم أعرفه ا ه وأنكر وابن حبان.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
