المعاد ، إلا أن الردع على وجهين : خطاب لمعرض ويسمى زجرا كما يسمى في حق البهائم ، وخطاب لمقبل على التفهم ويسمى نهيا ؛ فكأن الزجر يزيغ الطبع والنهي يزيغ العقل. انتهى. وقد بان من هذا سر افتتاح البقرة بالحروف المقطعة.
ولما كان الذي ابتدئت به السور من ذلك شطر حروف المعجم كان كأنه قيل من زعم أن القرآن ليس كلام الله فليأخذ الشطر الآخر ويركب عليه كلاما يعارضه به ، نقل ذلك الزركشي (١) في البرهان عن القاضي أبي بكر قال : وقد علم ذلك بعض أرباب الحقائق ، وجمعها الزركشي في قوله : نص حكيم قاطع له سر. وعن أبي بكر رضي الله عنه : في كل كتاب سر وسر الله في القرآن أوائل السور (٢). وعن علي رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه : أن لكل كتاب صفوة ، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي (٣).
ولما كانت حروف المعجم تسعة وعشرين حرفا بالهمزة وكان أحد شطرها على
__________________
(١) هو الإمام محمد بن عبد الله الزركشي المفسر من تصانيفه «البرهان في علوم القرآن» رتب على سبعة ، وأربعين نوعا توفي سنة ٧٩٤.
(٢) قال السيوطي في الدر المنثور ١ / ٢٣ : أخرجه ابن المنذر وأبو الشيخ بن حبان في التفسير عن داود بن أبي هند قال : «كنت أسأل الشعبي عن فواتح السور. قال : يا داود إن لكل كتاب سر ، وإن سر هذا القرآن فواتح السور ، فدعها وسل عما بدا لك».
(٣) ورد في تفسير ابن كثير ما ملخصه ١ / ٣٨ : قد اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور فمنهم من قال : هي مما استأثر الله بعلمه فردّوا علمها إلى الله ولم يفسرها حكاه القرطبي في تفسيره عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين وقاله عامر الشعبي ، وسفيان الثوري ، والربيع بن خثيم ، واختاره أبو حاتم بن حبان ، ومنهم من فسرها ، واختلف هؤلاء في معناها فقال عبد الرحمن بن يزيد بن أسلم : إنما هو أسماء السور وقال العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره : وعليه إطباق الأكثر ، ونقل عن سيبويه أنه نص عليه ، ويعتضد لهذا بما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة «أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة الم السجدة وهَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ وقال سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال : الم ، وحم ، المص ، وص فواتح افتتح الله بها القرآن ، وكذا غيره عن مجاهد وقيل : هي اسم من أسماء الله تعالى فقال عنها في فواتح السور من أسماء الله تعالى ، وكذلك قال سالم بن عبد الله ، وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير ، وقال شعبة عن السدي : بلغني أن ابن عباس قال : الم اسم من أسماء الله الأعظم هكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث شعبة ، ورواه ابن جرير عن بندار عن أبي مهدي عن شعبة قال : سألت السدي عن حم وطس والم فقال : قال ابن عباس : هي اسم الله الأعظم ، وقال ابن جرير عن مرة الهمذاني قال : قال عبد الله فذكر نحوه. وحكى مثله علي ، وابن عباس وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : هو قسم أقسم الله به ، وهو من أسماء الله تعالى ، وروى ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث ابن علية عن خالد الحذاء عن عكرمة أنه قال : الم قسم. وروينا أيضا من حديث شريك بن عبد الله بن عطاء بن السائب عن أبي الضحى عن ابن عباس : الم قال : أنا الله أعلم ، وكذا قال سعيد ابن جبير ، وقال السدي عن أبي مالك. ثم قال ابن كثير : وأما من زعم أنها دالة عن معرفة
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
