يحج ثم حجت الأنبياء من بني إسرائيل بن إبراهيم عليهماالسلام ثم أخفاها أهل الكتاب فيما أخفوه من كتابهم حسدا للعرب وختمت آية الحج بعليم رجع إلى أمر الكاتمين الذين يكتمون الحق وهم يعلمون ، وأعظم ما كتموه أمر هذا الكتاب الذي هو الهدى المفتتح به السورة ، ولما بين جزاءهم استثنى منهم التائبين مبينا لشرائط التوبة الثلاثة فقال : (إِلَّا الَّذِينَ تابُوا) بالندم على ارتكاب الذنب (وَأَصْلَحُوا) بالعزم على عدم العود (وَبَيَّنُوا) ما كانوا كتموه فظهرت توبتهم بالإقلاع.
ولما كان الإنسان يحب ما كان بسبب منه رغبهم في المتاب بعد توبتهم سببا لتوبته ورحمته وإن كان ذلك كله منّا منه في نفس الأمر فقال معبرا بالفاء : (فَأُولئِكَ) العالو الرتبة (أَتُوبُ عَلَيْهِمْ) أي أقبل توبتهم فأحفظهم بما يشعر به مثال الفعل الدائم فيما وفقتهم لابتدائه ، وفي الربط بالفاء إشارة إلى إسراع استنقاذ توبة الله عليهم من نار الخوف والندم رحمة منه لهم برفعهم إلى موطن الإنس ، لأن نار الخوف في الدنيا للمقترف رحمة من عذاب النار تفديه من نار السطوة في الآخرة ، من لم يحترق بنار المجاهدة أحرقته نار الخوف ، فمن لم يحترق بنار الخوف أحرقته نار السطوة ـ أفاده الحرالي. ولما كان من شأن الإنسان معاودة الذنوب لصفة النسيان ختم الآية بما دل على أن التقدير : فإني أحب التوابين فقال : (وَأَنَا التَّوَّابُ) أي مرة بعد مرة لمن كر على الذنب ثم راجع التوبة كرة إثر كرة (الرَّحِيمُ) لمن فعل ما يرضيني.
ولما لعن الكاتمين واستثنى منهم التائبين ذكر المصرّين معبرا عن كتمانهم بالكفر لتعم العبارة كل كفر فقال : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي بهذا الكتمان وغيره (وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ) قال الحرالي : ففي إشعاره يسر توبة الكافرين وعسر توبة المنافقين من حيث صرح بذكر توبة الكاتم وتجاوز في الذكر توبة الكافر ، فكان الذين كفروا يتوبون إلا الأقل والذين يكتمون يتمادون إلا الأقل ، فلذلك وقع الاستثناء في الكاتم والتخصيص من الكافر ـ انتهى.
ولما كان الموت على شيء دالا على أصل الجبلة فالميت كافرا مجبول جبلة شر بيّن سبحانه وتعالى أنه مستحق في نفس الأمر لكل خزي لذلك لا لسبب جدده ، فمن وجد خيرا فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ، لأنه سبحانه وتعالى لا يسأل عما يفعل ، فأسقط فاء السبب وعبر عنهم بأداة البعد إشارة إلى طردهم فقال : (أُولئِكَ) الذين هم في غاية السفول (عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ) أي طرد الملك الذي لا ملك سواه وإبعاده ، ثم بين اللاعنين في التي قبلها فقال (وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) أي هم أهل لذلك وكل أحد يلعن الظالم وأظلم الظالمين الكافر (خالِدِينَ فِيها) أي اللعنة.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
