والرزق ، فالمجاهد آمن في جيشه متزود في رحله غانم من عدوه ، والمتخلف خائف في أهله جائع في عيلته ناقص المال من ذات يده ـ انتهى.
ولما كان ذلك قد يكون عن إفراط في الكثرة قال : (وَالْأَنْفُسِ) قال الحرالي : فيه إشعار بأن من جاهد كثر عدده ونما ولده ، وأن من تكاسل قل عدده ودرج خلفه ، وفي ضمنه إشعار بمنال المتكاسل حواصد من جوارف الآجال من الوباء والطاعون وغيره ـ انتهى. وقال : (وَالثَّمَراتِ) التي هي أنفس الأشجار التي بها قوام أنفس الأبدان تخصيصا لها بالذكر ، لأنها أعظم أموال الأنصار الذين هم من أخص الناس بهذا الذكر لا سيما في وقت نزول هذه الآيات وهو أول زمان الهجرة.
ولما كان السياق مرشدا إلى أن التقدير : فأنذر من لم يصبر ، ولكنه طوى إشارة إلى إجلال الذين آمنوا عن أن يكون فيهم من لم يصبر عطف عليه إرشادا إليه وحثا على الصبر ثم ذكر الموجبين للنصر قوله : (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) وقال الحرالي : ولما كان هذا البلاء عن تكاسل من الصبر الأول كما قال تعالى : (إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ) [الرعد : ١١] وكان مما يتداركه صبر عليه تدارك تعالى هذه الرتبة ببشرى الصابرين من هلكه ما ينال من لم يصبر على هذه المصيبة وضجر منها وتسخط فيها ، فكان للصابر الأول الصحبة بقوله : (إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ.)
ولما كان للصابر الثاني البشرى بالسلامة من عقوبة الآخرة ومنالهم لما نولهم وشتان بين من كان الله معه وبين من قيل لنبيه بشره بصبره على بلاء التخلف ، وما كان للأنفس مدخل في تحمل الصبر شرفا وحفيظة على الأحساب والرتب الدنيوية خلص تعالى الصابرين له من الصابرين تطبعا وتحاملا فقال : (الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ) من الإصابة وهو وقوع المسدد على حد ما سدد له من موافق لغرض النفس أو مخالف لها (مُصِيبَةٌ) خصيصة عرف الاستعمال بما لا يوافق نكرها لخصوص ذكره ـ انتهى. والمراد أي مصيبة كانت ولو قلّت وضعفت بما أفهمه تأنيثه الفعل (قالُوا إِنَّا لِلَّهِ) أي الملك المحيط بكل شيء إسلاما بأنفسهم لربهم فهو يفعل بنا من هذه المصيبة وغيرها ما يريد فهو المسؤول في أن يكون ذلك أصلح لنا.
ولما كان التقدير بيانا لكونهم لله تقريرا للاستسلام به : نحن مبتدئون ، عطف عليه (وَإِنَّا إِلَيْهِ) أي لا إلى غيره (راجِعُونَ) معنى في أن جميع أمورنا لا يكون شيء منها إلا به وحسابا لبعث وظهور ذلك بعده ظهورا تاما. قال الحرالي : لتكون ذلك غاية في إسلام ثمراتهم وأموالهم وما نقصوا من أنفسهم ، فحين لم يجاهدوا في سبيل الله فأصابتهم المصائب كان تلافيهم أن يسلموا أمرهم لله ويذكروا مرجعهم إليه ويشعروا أن
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
