قال الحرالي : وأيسر الصبر صبر النفس عن كسلها بأخذها بالنشاط فيما كلفت به (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها) [الطلاق : ٧] و (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) [البقرة : ٢٨٦] فمتى يسر الله سبحانه وتعالى عليها الجد والعزيمة جعل لها فيما كانت تصبر عليه في الابتداء الاستحلاء فيه وخفت عنها وظيفة الصبر ، ومتى لم تصبر عن كسلها وعلى جدها تدنست فنالها عقوبات يكون الصبر عليها أشد من الصبر الأول ، كما أن من صبر عن حلو الطعام لم يحتج أن يصبر على مر الدواء ، فإن تحملت الصبر على عقوبات ضياع الصبر الأول تداركها نجاة من اشتداد العقوبة عليها ، وإن لم تتصبر على تلك العقوبات وقعت في مهالك شدائد العذاب فقيل لأهلها (فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ) [الطور : ١٦] ثم قال : فبداية الدين صبر وخاتمته يسر ، فإن من كان الله سبحانه وتعالى معه رفع عنه مرارة الصبر بوضع حلاوة الصحبة التي تشعر بها كلمة مع ـ انتهى.
ولما أشار لهم إلى ما يستقبلونه من حال الطاعنين في دينهم ورقاهم في ذلك درجة بعد درجة أتبعه ما دل على أن الأمر يصل إلى القتل وما داناه ليأخذوا لذلك أهبته ويعتدوا له عدته.
وقال الحرالي : ولما كان الصبر لله إنما هو حمل النفس على ما تعهد فيه كرهها أنبأهم الحق تعالى أن الصبر له ليس على المعهود وأنه يوجد فيه عند تجشمه حلاوة لذة الحياة وإن كان ذلك مما لا يناله شعور الذين آمنوا لخفائه عن إدراك المعقول فأنبأهم بما يحملهم على تجشم الصبر في الجهاد في سبيل الله فقال : (وَلا تَقُولُوا) عطفا على متجاوز أمور تقتضيها بركة الجهاد ـ انتهى. أي وجاهدوهم لتقتلوهم ويقتلوكم وتسلبوهم ويسلبوكم ولا تقولوا ، أو يقال : ولما كان الصبر واقعا على أمور أشقها الجهاد ثم الحج ثم الصوم وكان بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم قد سألوا عمن مات منهم على قبلة بيت المقدس فبين لهم ما صاروا إليه بقوله تعالى : (وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ) [البقرة : ١٤٣] تلو آية الصبر بتبيين حال الشهداء المقتولين في الجهاد من المؤمنين دفعا لظن أنهم أموات والتفاتا إلى ما أشار به إلى صيرورة الأمر إلى الحرب حيث عاب المانعين للمسجد وأخبر بأنه سيحصل لهم خزي في الدنيا بالقتل والأسر وعذاب عظيم في الآخرة بالنار والسخط ، وإيماء إلى أنه سيأذن لهم في مقارعة من أمرهم بالصبر على أذاهم من أهل الكتاب حتى يمحقهم السيف ويسكنهم الذل والخوف ، فالمعنى : اصبروا على كل ما يقوله أهل الكتاب وغيرهم في أمر القبلة وغيره وعلى كل ما يغير به الشيطان في وجه الإيمان وصلوا إلى البيت الذي وجهتكم إليه وجاهدوا كل من خالفكم حتى يكون الدين لله صابرين على كل ما ينوب في ذلك من القتل والنهب وغيره ولا تقولوا
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
