نحو بيت المقدس ، ثم حولت القبلة قبل بدر بشهرين» (١) ولما بشره سبحانه بالتحويل أولا وأوقع المبشر به ثانيا أشار إلى بشارة ثالثة بتكثير أمته ونشرهم في أقطار الأرض فجمعهم إليه في قوله : (وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ) أي من جهات الأرض التي أورثكم إياها (فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) بتوجيه قلوبكم إليّ.
ولما حرر ذلك وقرره بيّن أن العائبين لدينه بذلك من أهل الكتاب عالمون بحقية هذا التحويل وأنه من أعلام نبوته فقال : (وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) أي من اليهود والنصارى ، ولم يصفهم هنا بالسفه لإثبات العلم في قوله : (لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ) أي هذا التحويل (الْحَقُ) أي ليس بعده في أمر القبلة حق آخر يرفعه أصلا (مِنْ رَبِّهِمْ) أي المحسن إليهم بإرسال هذا الرسول الذي يرفع عنهم إصرهم وكانوا ينتظرون رسالته ، فعندما أتاهم ردوا رحمته ، وجعل ذلك سبحانه في سياق مهدد له مرج له ولأتباعه تسلية لهم وتثبيتا وتقوية لعزائمهم وتمكينا حيث ختم الآية بقوله : (وَمَا اللهُ) أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما (بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) قال الحرالي : بالياء أي التحتانية إعراضا عنهم ، وبالتاء إقبالا عليهم ، ففيه إنباء بتماديهم على سوء أحوالهم في رتبتين : في متماد على سوء هدد فيه لما أقبل عليه ، وفي متماد على أسوأ منه أوجب في تهديده الإعراض عنه والإقبال على غيره ممن لم يصل في السوء والمكائدة إلى ما وصل إليه المعرض عنه.
(وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٣٩٩ ، ٤٠ ومسلم ٥٢٥ ح ١٢ والنسائي في الكبرى ١١٠٠٣ ومالك ١ / ١٩٦ وأحمد ٤ / ٣٠٤ كلهم من حديث البراء بن عازب. وورد من حديث ابن عباس أخرجه الطبراني في الكبير ١١ / ١١٠٦ و ١١٧٥١ والبزار ٤١٨ وأحمد ١ / ٣٥٧.
ولفظه : «كان النبي صلىاللهعليهوسلم يصلي وهو بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه وبعد ما هاجر ستة عشر شهرا ثم انصرف إلى الكعبة». وقال الهيثمي في المجمع ٢ / ١٢ : ورجاله رجال الصحيح.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
