وجل وخفي وبدا ، ومن حكيمه وهو ما ظهر في الحكمة المشهورة تقاضيه وانتظام مكتوب خلقه على حسب تنزيل أمره ؛ وما كان منه بتدريج وتقريب للأفهام ففاءت من حال إلى حال وحكم إلى حكم كان تنزيلا ، وما أهوى به من علو إلى سفل كان إنزالا ، وهو إنزال حيث لا وسائط وتنزيل حيث الوسائط ؛ وبيانه حيث الإمام العامل به مظهره في أفعاله وأخلاقه كان خلقه القرآن ، وقرآنه تلفيق تلاوته على حسب ما تتقاضاه النوازل.
آخر آية أنزلت (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ) [البقرة : ٢٨١] قال صلىاللهعليهوسلم في مضمون قوله تعالى : (إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) [القيامة : ١٧] : «اجعلوها بين آية الدين والآية التي قبلها» (١) لأنه ربما تقدم كيان الآية وتأخر في النظم قرآنها على ما تقدم عليها ، آية (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ) [الأحزاب : ٥٠] الآية متأخرة الكيان متقدمة القرآن على آية (لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ) [الأحزاب : ٥٢] فقد يتطابق قرآن الأمر وتطوير الخلق وقد لا يتطابق والله يتولى إقامتهما ؛ وأما الجمع ففي قلبه نسبة جوامعه السبع في أم القرآن إلى القرآن بمنزلة نسبة جمعه في قلبه لمحا واحدا إلى أم القرآن (وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) [القمر : ٥٠] فهو جمع في قلبه ، وقرآن على لسانه ، وبيان في أخلاقه وأفعاله ، وجملة في صدره ، وتنزيل في تلاوته ، (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً) [الفرقان : ٣٢] قال الله تعالى : كذلك. أي كذلك أنزلناه ، إلا ما هو منك بمنزلة سماء الدنيا من الكون (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ) [الدخان : ٣] أي إلى سماء الدنيا (وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً) [الإسراء : ١٠٦] وعلى لسانه في أمد أيام النبوة ، وقال في تفسيره : القرآن باطن وظاهره محمد صلىاللهعليهوسلم ، قالت عائشة رضي الله عنها : كان خلقه القرآن ، فمحمد صلىاللهعليهوسلم صورة باطن سورة القرآن ، فالقرآن باطنه وهو ظاهره (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلى قَلْبِكَ) [الشعراء : ١٩٤].
وقال في تفسير الفاتحة : وكانت سورة الفاتحة أمّا للقرآن ، لأن القرآن جميعه مفصل من مجملها ، فالآيات الثلاث الأول شاملة لكل معنى تضمنته الأسماء الحسنى والصفات العلى ، فكل ما في القرآن من ذلك فهو مفصل من جوامعها ، والآيات الثلاث الأخر من قوله : (اهْدِنَا) شاملة لكل ما يحيط بأمر الخلق في الأصول إلى الله والتحيز إلى رحمة الله والانقطاع دون ذلك ، فكل ما في القرآن منه فمن تفصيل جوامع هذه ،
__________________
(١) لم يذكره السيوطي في الدر المنثور ، ولا الطبري ، ولا ابن كثير ولا غيرهم معنى يفسر بالأثر فالله أعلم.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
