ـ قاله الحرالي. (أَلْفَ سَنَةٍ) خوفا من الموت أو ما بعده ، والألف كمال العدد بكمال ثالثة رتبة ؛ والسنة أمد تمام دورة الشمس وتمام ثنتي عشرة دورة القمر ـ قاله الحرالي. وهذا المعنى وإن كان موجودا في الحول والعام والحجة غير أن مأخذ الاشتقاق ملاحظ في الجملة ، فلبلاغة القرآن لا يطلق واحد من هذه الألفاظ إلا فيما يناسب السياق من أصل اشتقاق هذه الألفاظ ، فهذا السياق لما كان المراد به ذمهم بتهالكهم على بقائهم في الدنيا على أي حالة كانت علما منهم بأنها ولو كانت أسوأ الأحوال خير لهم مما بعد الموت لتحقق شقائهم عبر بما منه الإسنات وهو القحط وسوء الزمان. أو ما منه الدوران الذي فيه كد وتعب إن كان أصلها من سنا يسنو إذا دار حول البئر قال السهيلي (١) في الروض : وقد تسمى السنة دارا في الخبر : إن بين آدم ونوح ألف دار ـ أي سنة ، ثم قال : فتأمل هذا فإن العلم بتنزيل الكلام ووضع الألفاظ في مواضعها اللائقة بها يفتح بابا من العلم بإعجاز القرآن والله المستعان. (وَما هُوَ) أي تعميره (بِمُزَحْزِحِهِ) والزحزحة إبعاد الشيء المستثقل المترامي لما يبعد عنه ـ قاله الحرالي : (مِنَ الْعَذابِ) أي زحزحة مبتدأة من العذاب ، وعبر بمن دون عن إعلاما بأنهم لم يفارقوا العذاب دنيا ولا آخرة وإن لم يحسوا به في الدنيا ، ثم فسر الضمير بقوله : (أَنْ يُعَمَّرَ) إنما تزحزحه الطاعة المقرونة بالإيمان الصحيح الذي ليس فيه تفرقة. ولما كان التقدير : لأنهم يعملون في أعمارهم الأعمال السيئة المحيطة ، عطف عليه قوله : (وَاللهُ) الذي له الأمر كله (بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ.)
ولما ذكر عداوتهم لأخص البشر واجتراءهم عليه بالتكذيب والقتل ، وختم ذلك بعدواتهم لأكمل الخلق وأخصهم حسدا لنزول هذا الذكر عليه عبارة ثم إشارة بما رمزه إلى نصبهم لقتله وأنهى ذلك بأنه لا محيص لهم من العذاب ، لأنه بصير بأعمالهم الموجبة له ذكر ما هو من دقيق أعمالهم من عراقتهم في الكفر بعداوتهم لخواص الملائكة الذين هم خير محض لا حامل أصلا على بغضهم إلا الكفر ، وبدىء بذكر المنزل للقرآن ، لأن عداوتهم للمنزل عليه لأجل ما نزل عليه عداوة لمنزله ، لأنه سبب ما كانت العداوة لأجله ، فقال آمرا له صلىاللهعليهوسلم إعلاما بما أبصره من خفي مكرهم القاضي بضرهم : (قُلْ) أو يقال ـ وهو أحسن وأبين وأمتن : ولما أمره صلىاللهعليهوسلم بما دل على كذبهم في ادعائهم خلوص الآخرة لهم وأخبر بأنه لا بد من عذابهم أمره بدليل آخر على كلا الأمرين ، فعلى تقدير كونه دليلا على الأول يكون منسوقا على (قُلْ) الأولى بغير عاطف إشعار بأن كلّا من الدليلين كاف فيما سيق له : على تقدير كونه دليلا على الثاني الذي خصه يكون جوابا لمن
__________________
(١) هو الإمام أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد السهيلي له تصانيف منها «الروض الأنف في شرح غريب السير» توفي سنة : ٥٨١.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
