للأعلى ما يبينه للأدنى (ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ) [المجادلة : ١٢] وهذا الباب عظيم النفع في الفهم لمن استوضح بيانه والتفاف موارده في القرآن ـ انتهى.
والدليل الوجودي على إشرابهم حب العجل مسارعتهم إلى عبادة ما يشبهه في عدم الضر والنفع والصورة ، ففي السفر الرابع من التوراة في قصة بالاق ملك الأمورانيين الذي استنجد بلعام بن بعور ما نصه : وسكن بنو إسرائيل ساطيم وبدأ الشعب أن يسفح ببنات مواب ودعين الشعب إلى ذبائح آلهتهم وأكل الشعب من ذبائحهم وسجدوا لآلهتهم وكمل بنو إسرائيل العبادة بعليون الصنم واشتد غضب الله على بني إسرائيل ـ انتهى.
ولما بين سبحانه عظيم كفرهم وعنادهم مع وقاحتهم بادعاء الإيمان والاختصاص بالجنان أمر نبيه صلىاللهعليهوسلم أن يقول لهم على وجه التهكم بهم مؤكدا لذمهم بالتعبير بما وضع لمجامع الذم فقال (قُلْ بِئْسَما) أي بئس شيئا الشيء الذي (يَأْمُرُكُمْ بِهِ) من الكفر (إِيمانُكُمْ) هذا الذي ادعيتموه ؛ وأوضح هذا التهكم بقوله على سبيل الفرض والتشكيك (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) على ما زعمتم ، فحصل من هذا أنهم إما كاذبون في دعواهم ، وإما أنهم أجهل الجهلة حيث عملوا ما لا يجامعه الإيمان وهم لا يعلمون.
ولما نهضت الأدلة على أنه لا حظ لهم في الآخرة غير النار وذلك نقيض دعواهم أنها لهم فقط في قولهم (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً) [البقرة : ٨٠] تفسيرهم ذلك بأنها سبعة أيام وأنا نخلفهم فيها ختم سبحانه ذلك بدليل قطعي بديهي فقال (قُلْ إِنْ كانَتْ) وقدم الجار إشعارا بالاختصاص فقال : (لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ) أي كما زعمتم ، وميزها بقوله : (عِنْدَ اللهِ) الذي له الكمال كله وبين المراد بقوله (خالِصَةً) ولما ذكر الخلوص تأكيدا للمعنى زاده تأكيدا بقوله (مِنْ دُونِ النَّاسِ) أي سائرهم لا يشرككم فيها أحد منهم من الخلوص وهو تصفية الشيء مما يمازجه في خلقته مما هو دونه ـ قاله الحرالي. (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ) لأن ذلك علم على صلاح حال العبد مع ربه وعمارة ما بينه وبينه ورجائه للقائه. قال الحرالي : فعلى قدر نفرة النفس من الموت يكون ضعف منال النفس من المعرفة التي بها تأنس بربها فتتمنى لقاءه وتحبه ، ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه ، يقع ذلك لعامة المؤمنين عند الكشف حال الغرغرة ، ولخاصة المؤمنين في مهل الحياة لأنهم لو كشف لهم الغطاء لم يزدادوا يقينا ، فما هو للمؤمن بعد الكشف من محبة لقاء الله فهو للموقن في حياته ويقظته ، لكمال الكشف له مع وجود حجاب الملك الظاهر ؛ ولذلك ما مات نبي حتى يخير فيختار لقاء الله ، لتكون وفادته على الله وفادة محب مبادر ، ولتقاصر المؤمن عن يقين النبي يتولى الله
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
