وجعلنا بعضهم في قفاء بعض ليجددوا لكم أمر الدين ويؤكدوا عليكم العهود والرسالة انبعاث أمر من المرسل إلى المرسل إليه (وَآتَيْنا) بما لنا من العظمة (عِيسَى) اسم معرب. أصله يسوع (ابْنَ مَرْيَمَ) الذي أرسلناه لنسخ بعض التوراة تجديد ما درس من بقيتها (الْبَيِّناتِ) من الآيات العظيمة التي لا مرية فيها لذي عقل ، والبينة من القول والكون ما لا ينازعه منازع لوضوحه ـ قال الحرالي : (وَأَيَّدْناهُ) أي قويناه على ذلك كله ، من التأييد وهو من الأيد وهو القوة ، كأنه يأخذ معه بيده في الشيء الذي يقويه فيه ، كأخذ قوة المظاهرة من الظهر ، لأن الظهر موضع قوة الشيء في ذاته ، واليد موضع قوة تناوله لغيره ـ قاله الحرالي : (بِرُوحِ الْقُدُسِ) أي الروح الطاهر وهو جبريل عليهالسلام كما أيدنا به غيره من أولي العزم. قال الحرالي : والروح لمحة من لمحات أمر الله ، وأمر الله قيوميته في كلية خلقه ملكا وملكوتا ، فما هو قوام الخلق كله ملكا وملكوتا هو الأمر (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ،) [الأعراف : ٥٤] ، وما هو قوام صورة من جملة الخلق هو الروح الذي هو لمحة من ذلك الأمر ؛ ولقيام عالم الملكوت وخصوصا جملة العرش بعالم الملك وخصوصا أمر الدين الباقي سماهم الله روحا ، ومن أخصهم روح القدس ، والقدس الطهارة العلية التي لا يلحقها تنجس على ما تقدم ، ومن أخص الروح به جبريل عليهالسلام بما له من روح الأمر الديني ، وإسرافيل عليهالسلام بما له من روح النفخ الصوري ـ انتهى. وقد كان لعيسى عليهالسلام بالروح مزيد اختصاص لكثرة ما أحيى من الموتى ؛ والمعنى فعلنا بكم يا بني إسرائيل ذلك ولم تزالوا في عهد جميع من ذكر ناقضين للعهود ، فلا أحد أحق منكم بالخلود في النار ، ثم جاء محمد صلىاللهعليهوسلم فلم تصدقوه.
ذكر شيء من الإنجيل يدل على أنه عليهالسلام أتى بالبينات مع تأييده بروح القدس مستخلصا من الأناجيل الأربعة وقد جمعت بين ألفاظها ، قال متى ـ ومعظم السياق له : فلما سمع يسوع أن يوحنا ـ يعني يحيى بن زكريا عليهماالسلام ـ قد أسلم ـ يعني خذله أصحابه مضى إلى الجليل وترك الناصرة وجاء وسكن كفرناحوم التي على ساحل البحر في تخوم زابلون وبغتاليم ليكمل ما قيل في أشعيا النبي إذ يقول : أرض زابلون أرض بغتاليم طريق البحر عبر الأردن جليل الأمم الشعب الجالس في الظلمة أبصر نورا عظيما الجلوس في الكورة وظلال الموت نورا أشرق عليهم ، ومن ذلك الزمان بدأ يسوع يكرز ويقول : توبوا فقد اقتربت ملكوت السماوات. وقال مرقس : ومن بعد حبس يوحنا وافى يسوع إلى الجليل يكرز بإنجيل ملكوت الله قائلا : قد كمل الزمان وقربت ملكوت الله! فتوبوا وآمنوا بالإنجيل. قال متى : وكان يمشي على بحر الجليل فأبصر أخوين سمعان الذي يدعى بطرس واندراوس أخاه يلقيان شباكهما في البحر
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
