ويتقدم الأحبار بنو لاوى الذين اختارهم الله ربكم أن يخدموا ويباركوا اسم الرب وعن قولهم يقضي كل قضاء ويضرب كل مضروب ، وجميع أشياخ تلك القرية القريبة من القتيل يغسلون أيديهم فوق العجل المذبوح في الوادي ويحلفون ويقولون : ما سفكت أيدينا هذا الدم وما رأينا من قتله فاغفر يا رب لآل إسرائيل شعبك الذين خلصت ، ولا تؤاخذ شعبك بالدم الزكي ، ويغفر لهم على الدم وأنتم فافحصوا عن الدم واقضوا بالحق وأبعدوا عنكم الإثم واعملوا الحسنات بين يدي الله ربّكم ـ انتهى. وهو كما ترى يشبه أن يكون فرع هذا الأصل المذكور في القرآن العظيم والله أعلم.
ولما بيّن سبحانه أن قلوبهم صارت من كثرة المعاصي وتوالي التجرّؤ على بارئها محجوبة بالرين كثيفة الطبع بحيث إنها أشد قسوة من الحجارة تسبب عن ذلك بعدهم عن الإيمان فالتفت إلى المؤمنين يؤيسهم من فلاحهم تسلية للنبي صلىاللهعليهوسلم عما كان يشتد حرصه عليه من طلب إيمانهم في معرض التنكيت (١) عليهم والتبكيت (٢) لهم منكرا للطمع في إيمانهم بعد ما قرر أنه تكرر من كفرانهم فقال : (أَفَتَطْمَعُونَ) والطمع تعلق البال بالشيء من غير تقدم سبب له (أَنْ يُؤْمِنُوا) أي هؤلاء الذين بين أظهركم وقد سمعتم ما اتفق لأسلافهم من الكثافة وهم راضون بذلك وإلا لآمنوا بمجرد هذا الإخبار عن هذه القصص من هذا النبي الأمي الذي يحصل التحقيق بأنه لا معلم له بها إلّا الله معترفين «لكم وقد» أي والحال أنه قد (كانَ فَرِيقٌ) أي ناس يقصدون الفرقة والشتات (مِنْهُمْ) قال الحرالي : من الفرق وهو اختصاص برأي وجهة عمن حقه أن يتصل به ويكون معه ـ انتهى. و (يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ) المستحق لجميع صفات الكمال والكلام قال الحرالي : هو إظهار ما في الباطن على الظاهر لمن يشهد ذلك الظاهر بكل نحو من أنحاء الإظهار ـ انتهى. (ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ) أي يزيلونه عن وجهه برده على حرفه ، وفي ذكر الفريق مع المعطوفات عليه تأكيد لعظيم تهمّكهم في العصيان بأنهم كانوا بعد ما وصف من أحوالهم الخبيثة فرقا في الكفر والعدوان والتبرء من جلباب الحياء ، وقوله : (مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ) مع كونه توطية لما يأتي من أمر الفسخ مشيرا إلى أن تحريفهم لم يكن في محل إشكال لكونه مدركا بالبديهة ، وأثبت الجار لاختلاف أحوالهم.
ولما كان هذا مع أنه إشارة إلى أنهم على جبلات إبائهم وإلى أن من اجترأ على الله لم ينبغ لعباد الله أن يطمعوا في صلاحه لهم ، لأنه إذا اجترأ على العالم بالخفيات
__________________
(١) النّكّات : الطعان في الناس.
(٢) التبكيت : التقريع.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
