الآخر. وقال الحرالي : قدم نبأ قول موسى عليهالسلام على ذكر تدارئهم في القتيل ابتداء بأشرف القصدين من معنى التشريع الذي هو القائم على أفعال الاعتداء وأقوال الخصومة ـ انتهى. فقال تعالى (وَإِذْ) أي واذكروا إذ ، وأسند القتل إلى الكل والقاتل واحد لأن ذلك عادة العرب ، لأن عادة القبيلة المدافعة عن أحدهم فقا ل (قتلهم نفس) ا فأقبل عليهم بالخطاب توبيخا لهم وإشارة إلى أن الموجودين منهم راضون بما مضى من أسلافهم وأن من ودّ شيئا كان من عملته.
ولما كانوا قد أنكروا القتل سبب عنه قوله مشيرا إلى إخفائه بالإدغام (فَادَّارَأْتُمْ فِيها) أي تدافعتم فكان كل فريق منكم يردّ القتل إلى الآخر فكان لكم بذلك ثلاثة آثام : إثم الكبيرة وإثم الإصرار وإثم الافتراء بالدفع ؛ قال الكلبي : وذلك قبل نزول القسامة في التوراة ، كأنه يشير إلى ما أذكره عنها قريبا. ولما كان فعلهم في المدارة فعل غافل عن إحاطة علم الخالق سبحانه قال يحكي حالهم إذ ذاك (وَاللهُ) أي والحال أن الذي له الأمر كله (مُخْرِجٌ) بلطيف صنعه وعظيم شأنه (ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) وفي تقديمه أيضا زيادة تبكيت لهم بتوقفهم في ذبح بقرة أمروا بذبحها لمصلحة لهم عظيمة بعد مبادرة بعضهم إلى قتل إنسان مثله بعد النهي الشديد عنه وقال منبها بالالتفات إلى أسلوب العظمة على ما في الفعل المأمور به منها (فَقُلْنا) أي بما لنا من العظمة (اضْرِبُوهُ) وأضمر ذكر البقرة ولم يظهر دلالة على اتحاد هذا الشق الأول من القصة الذي جعل ثانيا بالشق الذي قبله في أنهما قصة واحدة فقال (بِبَعْضِها) قال الإمام أبو علي الفارسي في كتاب الحجة : قلنا اضربوا المقتول ببعض البقرة فضربوه به فحيي ، يعني والدليل على هذا المحذوف قوله (كَذلِكَ) أي مثل هذا الإحياء العظيم على هذه الهيئة الغريبة (يُحْيِ اللهُ) أي الذي له صفات الكمال (الْمَوْتى) مثل هذا الإحياء الذي عوين وشوهد ـ انتهى. روي أنهم لما ضربوه قام وقال : قتلني فلان وفلان لابني عمه ثم سقط ميتا فأخدا وقتلا ولم يورّث قاتل بعد ذلك ؛ وهذه الخارقة كما أخبر نبيّنا صلىاللهعليهوسلم ذراع الشاة المسمومة بأنه مسموم لما سمته اليهودية (١) التي كانت في قومها هذه الآية ، وجعل هذا التنبيه على البعث في قصصهم ، لأنه من أعظم الأدلة عليه ، وقد وقع منهم ما ساغ معه عدهم منكرين وهو قولهم للمشركين : دينكم خير من دين محمد ، أو أن هذا تنبيه مقصود به حث العرب على سؤال من استنصحوهم في السؤال عن النبي صلىاللهعليهوسلم لكونهم أهل العلم الأول ، فهو ملزم
__________________
(١) هو الآتي ، ورد عن جماعة من الصحابة.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
