قاله الحرالي ثم وصف الذلول بقوله (تُثِيرُ الْأَرْضَ)(١) أي يتجدد منها إثارتها بالحرث كل وقت من الإثارة قال الحرالي : وهي إظهار الشيء من الثرى ، كأنها تخرج الثرى من محتوى اليبس ؛ ولما كان الذل وصفا لازما عبر في وصفها بانتفائه بالاسم المبالغ فيه ، أي ليس الذل وصفا لازما لها لا أنها بحيث لا يوجد منها ذل أصلا ، فإنها لو كانت كذلك كانت وحشية لا يقدر عليها أصلا.
ولما كان لا يتم وصفها بانتقاء الذل إلا بنفي السقي عنها وكان أمرا يتجدد ليس هو صفة لازمة كالذل عبر فيه بالفعل وأصحبه لا عطفا على الوصف لا على تثير لئلا يفسد المعنى فقال واصفا للبقرة (وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ) أي لا يتجدد منها سقيه بالسانية (٢) كل وقت ، ويجوز أن يكون إثبات لا فيه تنبيها على حذفها قبل تثير ، فيكون الفعلان المنفيان تفسيرا على سبيل الاستئناف للاذلول ، وحذف لا قبل تثير لئلا يظن أنه معها وصف لذلول فيفسد المعنى ، والمراد أنها لم تذلل بحرث ولا سقي ومعلوم من القدرة على ابتياعها وتسلمها للذبح أنها ليست في غاية الإباء كما آذن به الوصف بذلول ، كل ذلك لما في التوسط من الجمع لأشتات الخير (مُسَلَّمَةٌ) أي من العيوب (لا شِيَةَ) أي علامة (فِيها) تخالف لونها بل هي صفراء كلها حتى قرنها وظلفها (قالُوا الْآنَ) أي في هذا الحد من الزمان الكائن الفاصل بين الماضي والآتي (جِئْتَ بِالْحَقِ) أي الأمر الثابت المستقر البين من بيان وصف البقرة فحصلوها (فَذَبَحُوها) أي فتسبب عما تقدم كله
__________________
(١) قال القرطبي ١ / ٤٥٣ : هي بقرة لا ذلول مثيرة. قال الحسن : وكانت تلك بقرة وحشية ولهذا وصفها الله تعالى بأنها لا تثير الأرض ، ولا تسقي الحرث أي لا يسنى بها لسقي الزرع ، ولا يسقى عليها ، والوقف ها هنا حسن.
وقال قوم : تثير فعل مستأنف ، والمعنى إيجاب الحرث لها ، وأنها كانت تحرث ، ولا تسقي ، والوقف على هذا التأويل «لا ذلول» ، والقول الأوّل أصح لوجهين : أحدهما. ما ذكره النحاس عن علي بن سليمان أنه قال : لا يجوز أن يكون تثير مستأنفا لأن بعده «ولا تسقي الحرث» فلو كان مستأنفا لما جمع بين الواو و «لا». الثاني : أنها لو كانت تثير الأرض لكانت الإثارة قد ذلّلتها ، والله تعالى قد نفى عنها الذل بقوله : «لا ذلول».
قلت : ويحتمل أن تكون «تثير الأرض» في غير العمل مرحا ، ونشاطا كما قال امرؤ القيس :
|
يهيل ويذرى تربه ويثيره |
|
إثاره نباث الهواجر مخمس |
فعلى هذا يكون «تثير» مستأنفا «ولا تسقي» معطوف عليه فتأمله وإثارة الأرض : تحريكها وبحثها ا ه.
ونباث الهواجر : يعني الرجل الذي اشتد عليه الحر هال التراب ليصل إلى ثراه. والمخمس : صاحب الإبل التي ترد خمسا.
(٢) السانية : الناضحة وهي الناقة التي يستقى عليها.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
