أمرا واحدا من أوامره واستخفوا به وهو تحريم السبت عذبهم بعذاب لم يعذب به أحدا من العالمين فقال : ولقد وأقرب من ذلك أن يقال إنه سبحانه لما ذكرهم بنعمة العفو الحافظ لهم من الخسران قرعهم بحلافة أخرى لهم خذل بها فريقا منهم حتى غلبهم الخسران فما ضروا إلّا أنفسهم مقسما على أنهم بها عالمون ولها مستحضرون فقال تعالى عاطفا على ما تقديره : لقد علمتم جميع ذلك من عهودنا وما ذكرنا من الإيقاع بمن نقض من شديد وعيدنا ومن التهديد على ذلك بضرب الذلة وما تبعها من أنواع النكال و (لَقَدْ) أي وعزتي لقد (عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا) أي تعمدوا العدوان (مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ) بأن استحلوه وأصل السبت القطع للعمل ونحوه (فَقُلْنَا) أي فتسبب عن اعتدائهم أن قلنا بما لنا من العظمة. (لَهُمْ كُونُوا) بإرادتنا (قِرَدَةً خاسِئِينَ) أي صاغرين مطرودين جمع خاسىء من الخسىء وهو طرد بكره واستخباث ، وسبب ذلك أن الله تعالى أمرهم بيوم الجمعة فأبوا إلا السبت ، فألزمهم الله إياه وجعله لهم محنة وحرم عليهم فيه العمل ، فاصطادوا على تهيب وخوف من العقوبة ، فلما طال زمن عفوه عنهم وحمله سبحانه فتجاهروا بالمعصية مسخ منهم من عصى بالمباشرة ومن سكت عن النهي عن المنكر (فَجَعَلْناها) أي فتسبب عن قولنا إنهم كانوا قردة كما قلنا ، فجعلنا هذه العقوبة (نَكالاً) أي قيدا مانعا (لِما بَيْنَ يَدَيْها) من المعاصي من أهل عالمها الشاهدين لها (وَما خَلْفَها) ممن جاء بعدهم ، روي معناه عن ابن عباس (١) رضي الله عنهما ، والنكال إبداء العقوبة لمن يتّعظ بها ، واليد ما به تظهر أعيان الأشياء وصورها أعلاها وأدناها ، فلذلك ثنيت لأنها يد عليا هي اليمنى ويد دنيا هي اليسرى ، والخلف ما يخلفه المتوجه في توجهه فينطمس عن حواس إقباله شهوده ـ قاله الحرالي. وقال (وَمَوْعِظَةً) من الوعظ وهو دعوة الأشياء بما فيها من العبرة للانقياد للإله الحق بما يخوفها في مقابلة التذكير بما يرجيها ويبسطها (لِلْمُتَّقِينَ) وقد أشعر هذا أن التقوى عصمة من كل محذور وأن النقم تقع في غيرهم وعظا لهم.
ولما بين تعالى قساوتهم في حقوقه عامة ثم خاصة اتبعه بيان جساوتهم في مصالح أنفسهم لينتج أنهم أسفه الناس فقال (وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ) بني إسرائيل (إِنَّ اللهَ) أي الذي له الأمر كله (يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) لتعرفوا بها أمر القتيل الذي أعياكم أمره ، وتاؤها ليست للتأنيث الحقيقي بل لأنها واحدة من الجنس فتقع على الذكر والأنثى. ولما كان من حقهم المبادرة إلى الامتثال والشكر فلم يفعلوا بيّن فظاظتهم على طريق
__________________
(١) موقوف. ذكره السيوطي في الدر المنثور ١ / ٧٦ وقال : أخرجه ابن جرير بسنده عن ابن عباس قال : ليحذر من بعدهم عقوبتي.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
