مريدا كل مشرك فقال (وَالصَّابِئِينَ) المنكرين للرسالة في الصورة البشرية القائلين بالأوثان السماوية والأصنام الأرضية متوسطين إلى رب الأرباب ، قال الحرالي : بالهمز من صبأ يصبأ صبأ وبغير همز من صبا يصبوا صبوا ، تعاقبت الهمزة والياء مع الصاد والباء لعام معنى هو عود إلى حال صغر بعد كبر ـ انتهى. (مَنْ آمَنَ) أي منهم بدوامه على الإيمان إن كان آمن قبل ذلك ، ودخوله في الإيمان إن كان كافرا فيكون من الاستعمال في الحقيقة والمجاز (بِاللهِ) أي لذاته (وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) الذي الإيمان به متضمن للإيمان بجميع الصفات من العلم والقدرة وغيرهما وحاثّ على كل خير وصادّ عن كل ضير (وَعَمِلَ صالِحاً) أي وصدق ما ادعاه من الإيمان باتباع شرع الرسول الذي في زمانه في الأعمال الظاهرة ولم يفرق بين أحد من الرسل ولا أخل بشيء من اعتقاد ما جاءت به الكتب من الصلاح. قال الحرالي : وهو العمل المراعى من الخلل ، وأصله الإخلاص في النية وبلوغ الوسع في المحاولة بحسب علم العامل وإحكامه ، وقال : والعمل ما دبر بالعلم ـ انتهى.
ولما كان الإفراد أدل على تخصيص كل واحد بما له والجمع أدل على إرادة العموم وأقطع للتعنت أفرد أولا وجمع هنا فقال (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ) الذي وعدوه على تلك الأعمال المشروطة بالإيمان ، وهو في الأصل جعل العامل على عمله ، كائنا (عِنْدَ رَبِّهِمْ) فهو محفوظ لا يخشى عليه نسيان ولا يتوجه إليه تلف (وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) من آت يستعلي عليهم من جميع الجهات (وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) على شيء فات بل هم في أعظم السرور بما لهم من العز والجدة ضد ما للمعتدين من الذل والمسكنة ، وحسن وضع هذه الآية في أثناء قصصهم أنهم كانوا مأمورين بقتل كل ذكر ممن عداهم ، وربما أمروا بقتل النساء أيضا ، فربما ظنّ من ذلك أن من آمن من غيرهم لا يقبل. قال في التوراة في قصة مدين : وقتلوا كل ذكر فيها ، ثم قال : وغضب موسى فقال لهم : لماذا أبقيتم على الإناث؟ وهن كنّ عشرة لبني إسرائيل عن قول بلعام ومشورته ـ يعني بما أفضى إلى الزنا ، ثم قال : وقال الرب لموسى : كلّم بني إسرائيل وقل لهم : أنتم جائزون الأردن لتهلكوا جميع سكان الأرض ونحو هذا مما لعل بعضه أصرح منه وقد ذكر منه في سورة المائدة ، وفي وضعها أيضا في أثناء قصصهم إشارة إلى تكذيبهم في قولهم : (لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) [آل عمران : ٧٥] وأن المدار في عصمة الدم والمال إنما هو الإيمان والاستقامة وذلك موجود في نص التوراة في غير موضع ، وفيها تهديدهم على المخالفة في ذلك بالذلة والمسكنة ، وسيأتي بعض ذلك عند قوله : (لا تَعْبُدُونَ إِلَّا
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
