الفساد ، فإن العثي والعيث الإسراع في الفساد ، لكن قد يقصد بصورة الفساد الخير فيكون صلاحا في المعنى ، كما فعل الخضر عليهالسلام في السفينة والغلام ، وليس المراد بالإسراع التقييد بل الإشارة إلى أنه لملاءمته للهوى لا يكون إلا كذلك ، سيأتي له في سورة هود عليهالسلام إن شاء الله تعالى مزيد بيان. قال الحرالي : وفيه إشعار بوقوع ذلك منهم ، لأن في كل نهي إشعارا بمخالفته ، إلا ما شاء الله ، وفي كل أمر إشعارا بموافقته إلا ما شاء الله ، لأن ما جبل عليه المرء لا يؤمر به لاكتفاء إجباره فيه طبعا عن أمره ، وما منع منه لا ينهى عنه لاكتفاء إجباره عن أمره ، وإنما مجرى الأمر والنهي توطئة لإظهار الكيان في التفرقة بين مطيع وعاص ، فكان منهم لذلك من العثي ما أوجب ما أخبر به الحق عنهم من الهوان ، وأشد الإفساد إفساد بنيان الحق الذي خلقه بيده وهي مباني أجساد بني آدم فكيف بالمؤمنين منهم فكيف بالأنبياء منهم ـ انتهى.
ولما امتنّ عليهم بهذه النعمة العظمى من أكل المن والسلوى وشرب هذا الماء الرباني بين أنهم كفروها بالتضجر منها وطلب غيرها وبالتيه كان قريبا منها بل كما أن هذه في غاية العلو كان مطلوبهم في غاية الدناءة والسفول فقال تعالى (وَإِذْ قُلْتُمْ) أي بعد هذه النعم كلها (يا مُوسى) منادين له باسمه من غير تعظيم (لَنْ نَصْبِرَ) أي طويلا (عَلى طَعامٍ) قال الحرالي : الطعام ما يقوت المتطعم ويصير جزاء منه (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ) [عبس : ٢٤] الآية ـ انتهى. (واحِدٍ) أي لا يتبدل وإن كان متعددا وإن كان شريفا لا تعب فيه (فَادْعُ لَنا) قال الحرالي : من الدعاء وهو نداء لاقتضاء غلبة لما تدعو الحاجة إليه من القائم على الداعي بتذلل وافتقار وهو في مقابلة الأمر من الأعلى ، لأنه اقتضاء لما لا تدعو إليه حاجة من الآمر لأن الآمر بالحقيقة إنما هو الغني لا المفتقر لما يقضيه ـ انتهى. (رَبَّكَ) مضيفين لهذا الاسم إليه دون أنفسكم مع كثرة تجليه لكم بهذا الوصف الناظر إلى الإحسان (يُخْرِجْ لَنا) أي وإن كنت أنت غير ملتفت إلى ذلك (مِمَّا تُنْبِتُ) من الإنبات وهو التغذية والتنمية ـ قاله الحرالي. (الْأَرْضُ) ثم بينوا ما أرادوا بقولهم (مِنْ بَقْلِها) أي خضرها. قال الحرالي : البقل ما يكثر به الأدم ، والأدم الأشياء الدسمة فما يصلح معها من نجم الأرض فهو بقل ـ انتهى. (وَقِثَّائِها وَفُومِها) أي الحنطة. وقال الحرالي : يقال هو الحب الذي يخبز ـ انتهى. (وَعَدَسِها وَبَصَلِها) فكأنه قيل إن هذا العجب منهم فما قال؟ فقيل قال (قالَ) منكرا عليهم (أَتَسْتَبْدِلُونَ) أي أتأخذون (الَّذِي هُوَ أَدْنى) أي منزلة (بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) أي بدله. فالباء داخلة هنا على المتروك وهذه المادة أعني الباء والدال المهملة واللام بهذا الترتيب لها استعمالات كثيرة يختلف معناها معها فيشكل فهمها بسبب ذلك ، فإنه قد يذكر معها المتقابلان فقط ، وقد
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
