السلوى إليهم بالريح المثيرة له فنظمها به على غاية التناسب. قال الحرالي : والسلوى اسم صنف من الطير يقال هو السماني أو غيره ـ انتهى. وسيأتي إن شاء الله تعالى في الأعراف أنه غير السماني وأنهم خصوا به إيذانا بقساوة قلوبهم.
وهذه الخارقة قد كان صحابة نبينا صلىاللهعليهوسلم غنيين عنها بما كان النبي صلىاللهعليهوسلم كلما احتاجوا دعا بما عندهم من فضلات الزاد فيدعو ، فيكثره الله حتى يكتفوا من عند آخرهم (١) ، وأعطى أبا هريرة رضي الله عنه تمرات وأمره أن يجعلها في مزود وقال له : أنفق ولا تنثرها ، فأكل منه سنين وأنفق منه أكثر من خمسين وسقا (٢). وبارك لآخر في قليل شعير وأمره أن لا يكيله ، فلم يزل ينفق منه على نفسه وامرأته وضيفه حتى كاله ففني ، فقال النبي صلىاللهعليهوسلم : «لو لم تكله لأكلتم منه ولقام لكم» (٣) وكان نحو ذلك لعائشة رضي الله عنها بعد موت النبي صلىاللهعليهوسلم (٤). وكذا لأم مالك رضي الله عنها في عكة سمن لم تزل تقيم لها أدمها حتى عصرتها (٥). ومثل ذلك كثير في دلائل النبوة للبيهقي وغيره. وقيل لكم و (كُلُوا) ودل على أنه أكثر من كفايتهم بقوله (مِنْ طَيِّباتِ) جمع طيبة. قال الحرالي : والطيب ما خلص من منازع يشارك فيه وطيّبه من سوى الأكل له أي لم ينازعه وليس فيه حق لغيره ، ومنه الطيب في المذاق وهو الذي لا ينازعه تكره في طعمه ، وهذا زاد على
__________________
(١) الأحاديث في هذا الباب كثيرة منها ما أخرجه البخاري ٤١٠١ ، ٤٠٢ مطولا من حديث جابر وفيه : «يا أهل الخندق إن جابرا قد صنع سورا فحيّ هلا بكم ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : لا تنزلنّ برمتكم ، ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء فجئت ، وجاء رسول الله صلىاللهعليهوسلم يقدم الناس حتى جاءت امرأتي فقال : بك وبك ... ثم عمد إلى برمتنا ، فبصق وبارك ، ثم قال : ادع خابزة ، فلتخبز معي ، واقدحي من برمتكم ، ولا تنزلوها ، وهم ألف ، فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه ، وانحرفوا ، وإن برمتنا لتمظ كما هي ، وإن عجيننا ليخبز كما هو».
وفي ذلك أيضا حديث عن أنس أخرجه ابن حبان ٥٢٨٥ وأبو يعلى ٤١٥١.
وصح عن النبي صلىاللهعليهوسلم من حديث جابر «أن أم مالك كانت تهدي إلى النبي صلىاللهعليهوسلم في عكة لها سمنا ، فيأتيها بنوها فيسألون الأدم ، وليس عندهم شيء ، فتعمد إلى الذي كانت تهدي فيه النبي صلىاللهعليهوسلم ، فتجد فيه سمنا ، فما زال يقيم لها أدم بيتها حتى عصرته ، فأتت النبي صلىاللهعليهوسلم فقال : عصرتيها. قالت نعم. قال : لو تركتيها ما زال قائما» أخرجه مسلم ٢٢٨٠ وأحمد ٣٠ / ٣٤٠ ، ٣٤١ ، ٣٤٧.
(٢) أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة ص ١٥٥ من عدة طرق عن أبي هريرة به. وذكره القاضي عياض في الشفا ١ / ٢٩٥ ـ ٢٩٦ عن أبي هريرة به وأتم منه.
(٣) صحيح ، أخرجه مسلم ٢٢٨١ وأحمد ٢ / ٣٣٧ ، ٣٤٧ كلاهما من حديث جابر.
(٤) أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة ص ١٥٥ بإسناد حسن عن عائشة قالت : توفي رسول الله صلىاللهعليهوسلم وما في بيتي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي فأكلت منه حتى طال عليه فكلته فغني.
(٥) تقدم قبل حديثين.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
