وهنا انتهى خطاب الفرقان المخصوص بدعوة العرب الذين هم رأس أهل الدعوة المحمدية صلىاللهعليهوسلم : «الناس كلهم تبع لقريش ، مؤمنهم لمؤمنهم ، وكافرهم لكافرهم» (١) انتهى. يعني فهم المرادون بهذا بالقصد الأول ، وهو شامل لغيرهم ، ومراد به ذلك الغير بالقصد الثاني ، وهنا آخر الآيات الخاصة بالنعم العامة لجميع بني آدم دالة على التوحيد من حيث إنها حادثة فلها محدث ، وعلى النبوة من حيث إنه صلىاللهعليهوسلم أخبر عنها موافقا لما في التوراة والإنجيل من غير تعلم ، وعلى المعاد من حيث إن من قدر على خلقها ابتداء قدر على إعادتها ـ ذكره الأصفهاني عن الإمام. وفي الآية إشارة إلى الكتاب الذي هو هدى للمتقين المشتمل على الأحرف السبعة التي من أقبل على حرف منها حق الإقبال كفاه ، ومن اشتغل عنها بالمتاع الأدنى خسر دنياه وأخراه.
قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في التمهيد لشرط مثال القراءة لحروفه السبعة وعلمها والعمل بها : اعلم أن الله سبحانه خلق آدم بيده ونفخ فيه من روحه ورزقه نورا من نوره ، فلأنه خلقه بيده كان في أحسن تقويم خلقا ، ولأنه نفخ فيه من روحه كان أكمل حياة قبضا وبسطا ، ولأنه رزقه نورا من نوره كان أصفى عقلا وأخلص لبا وأفصح نطقا وأعرب بيانا جمعا وفصلا ، وأطلعه على ما كتب من حروف مخلوقاته إدراكا وحسا ، وعقّله ما أقام من أمره فهما وعلما ، ونبهه على ما أودعه في ذاته عرفانا ووجدا ؛ ثم جعل له فيما سخر له من خلقه متاعا وأنسا فأناسه وردده من بين إقبال وإدبار وقبول وإعراض ، فمن شغل بالاستمتاع الأدنى عن الاطلاع الأعلى كان سفيها ، ومن شغله الاطلاع الأعلى عن الاستمتاع الأدنى كان حنيفا (الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي) [الكهف : ١٠١] (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ) [البقرة : ١٣٠] (إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً) [النحل : ١٢٠]. ولما كان متاع الخلق في الأرض إلى حين وشغل أكثرهم أكلهم وتمتعهم وألهاهم أملهم عن حظهم من الحنيفية بما أوتي العقل من التبليغ عن الله نظرا واعتبارا اصطفى الله سبحانه من الحنفاء منبهين
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٣٤٩٥ ومسلم ١٨١٨ والطيالسي ٢٣٨٠ وابن حبان ٦٢٦٤ وأبو يعلى ٦٢٦٤ والحميدي ١٠٤٤ والبيهقي ٨ / ١٤١ والديلمي في الفردوس ٦٨٧٧ وعبد الرزاق ١٩٨٩٤ وابن أبي شيبة ١٢ / ١٦٨ وأحمد ٢ / ٢ / ٢٤٢ ، ١٤٣ ، ١٦١ كلهم من حديث أبي هريرة.
ولفظ البخاري : «الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم تبع لمسلمهم ، وكافرهم تبع لكافرهم» ورواية : «الأنصار أعفة صبر ، وإن الناس تبع لقريش في هذا الأمر ...»
وورد من حديث جابر : «الناس تبع لقريش في الخير والشر».
أخرجه مسلم ١٨١٩ والبيهقي ٨ / ١٤١ وأبويعلى ١٨٩٤ ، ٢٢٧٢ وابن حبان ٦٢٦٣ وابن أبي شيبة ١٢ / ١٦٧ وأحمد ٣ / ٣٣١ ، ٣٧٩ ، ٣٨٣
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
