من حيث إن الأول إهباط لمعنى القرار في الدنيا والاغتذاء (١) فيها وذرء (٢) الذرية وأعمال أمر العداوة التي استحكمت بين الخلقين من آدم وإبليس ، وهذا الإهباط الثاني إهباط عن مكانة الرتبة الآمرية الدينية التي كانت خفية في أمر آدم ظاهرة في أمر إبليس ، وفي قوله : (جَمِيعاً) إشعار بكثرة ذرء الخلقين وكثرة الاحداث في أمر الديانة من النقلين ـ انتهى.
وخص في إبراز الضمير بمحض الإفراد من غير إيراد بمظهر العظمة إبعادا عن الوهم فقال : (مِنِّي هُدىً) أي بالكتب والرسل ، ولما كان الهدى الذي هو البيان لا يستلزم الاهتداء قال : (فَمَنْ تَبِعَ) أي أدنى اتباع يعتد به ، ولذلك اكتفى في جزائه بنفي الخوف الذي قد يكون عن توبة من ضلال بخلاف ما في طه (٣) كما يأتي إن شاء الله تعالى. والتبع السعي أثر علم الهدى ـ قاله الحرالي. (هُدايَ) أي المنقول أو المعقول ، فالثاني أعم من الأول. لأنه أعم من أن يكون منقولا عن الرسل أو معقولا بالقياس على المنقول عنهم ، أو بمحض العقل كما وقع لورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل وأضرابهما المشار إليهم بالقليل في قوله تعالى : (وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلاً) [النساء : ٨٣] قال العارف شهاب الدين عمر بن محمد السهروردي (٤) في كتابه رشف النصائح الإيمانية : فالعفل حجة الله الباطنة والقرآن حجة الله الظاهرة. قال الحرالي : وجاء (هُدايَ) شائعا ليعم رفع الخوف والحزن من تمسك بحق ما من الحق الجامع ، وأدناه من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فيما بينه وبين الحق وفيما بينه وبين الخلق ـ انتهى.
ولما كان الخوف أشد لأنه يزداد بمر الزمان ، والحزن يحفّ ، قدّمه فقال : (فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) أي من شيء آت فإن الخوف اضطراب النفس من توقع فعل ضارّ ـ قاله الحرالي. (وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) أي على شيء فات ، لأنهم ينجون من النار ويدخلون الجنة والحزن كما قال الحرالي : توجع القلب لأجل نازح قد كان في الوصلة به روح ، والقرب منه راحة ، وجاء في الحزن بلفظ (عَلَيْهِمْ) لاستبطانه ، وبالفعل لأنه باد من باطن
__________________
(١) الغذاء ما يغتذى به من الطعام ، والشراب ويقال : غذوت الصبي باللبن أي ربّيته ا ه مختار.
(٢) ذرء : خلق.
(٣) كتب فوقه في نسخة الرباط. المراقش : من قوله «اتبع هداي».
(٤) هو الإمام عمر بن محمد السهروردي المتوفي سنة : ٦٣٢ من تصانيفه «رشف النصائح الإيمانية» و «عوارف المعارف» وقد سمع الحديث من جماعة.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
