اللعنة التي هي مقابل التوبة (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ) البعض ما اقتطع من جملة وفيه ما في تلك الجملة ، (عَدُوٌّ) من العداء أي المجاوزة عن حكم المسالمة التي هي أدنى ما بين المستقلين من حق المعاونة ـ انتهى. فالمعنى فليحذر كل واحد منكم عدوه باتباع الأوامر واجتناب النواهي.
قال الحرالي : وفيه إشعار بما تمادى من عدواء الشيطان على ذرء من ولد آدم حتى صاروا من حزبه ، وفيه أيضا بشرى لصالحي ولد آدم بما يسبونه من ذرء إبليس فيلحقون بهم بالإيمان والإسلام والتوبة فيهتدون بهداه من حيث عمّ بالعداوة ، فاعتدى ذو الخير فصارت عدواه على أهل الشر خيرا ، واعتدى ذو الشيطنة فصارت عدواه على أهل الخير شرا. (وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ) تكونون فيه ، وهو من القرار وهو كون الشيء فيما له فيه تنام وظهور وعيش موافق ؛ (وَمَتاعٌ) تتمتعون به ، والمتاع هو الانتفاع بالمنتفع به وقتا منقطعا يعرف نقصه بما هو أفضل منه ، يعني ففيه إشعار بانقطاع الإمتاع بما في هذه الدنيا ونقص ما به الانتفاع عن محل ما كانا فيه ، من حيث إن لفظ المتابع أطلق في لسان العرب على الجيفة التي هي متاع المضطر وأرزاق سباع الحيوان وكلابها ، فكذلك الدنيا هي جيفة متع بها أهل الاضطرار بالهبوط من الجنة وجعلها حظ من لا خلاق له في الآخرة ؛ (إِلى حِينٍ) أي لا يتقدم ولا يتأخر ، وفي إبهام الحين إشعار باختلاف الآجال في ذرء (١) الفريقين ، فمنهم الذي يناله الأجل صغيرا ، ومنهم الذي يناله كبيرا ـ انتهى.
ولما تسبب عن جزاء آدم عليهالسلام بالإهباط الذي هو كفارة له أنه ألهم الدعاء بما رحم به عبر عن ذلك بقوله : (فَتَلَقَّى)(٢) أي فهبطوا فتلقى (آدَمُ) بعد الهبوط ، والتلقي ما يتقبله القلب باطنا وحيا ، أو كالوحي أبطن من التلقن الذي يتلقنه لفظا وعلما ظاهرا أو كالظاهر ـ قاله الحرالي : (مِنْ رَبِّهِ) أي المحسن إليه في كل حال (كَلِماتٍ)(٣) أي ترضيه سبحانه بما أفهمه التعبير بالتلقي ، وهي جمع كلمة ؛ وهي دعاء
__________________
(١) ذرأ : خلق وفي الحديث «ذرء النار» أي أنهم خلقوا لها. والذرية : هي نسل الثقلين.
(٢) قال القرطبي في تفسيره ١ / ٣٢٣ : تلقى قيل معناه : فهم وفطن وقيل : قبل وأخذ وكان عليهالسلام يتلقى الوحي أي يستقبله ، ويأخذه ، ويتلقفه تقول خرجنا نتلقى الحجيج أي نستقبلهم.
(٣) قال القرطبي في تفسيره ١ / ٣٢٤ : اختلف أهل التأويل في الكلمات : قال ابن عباس والحسن وسعيد ابن جبير وغيرهم هي قوله : (رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ) وقال مجاهد : «سبحانك اللهم لا إله إلا أنت ...» وقالت طائفة : المراد بالكلمات البكاء والحياء والدعاء وقيل : الندم ، والاستغفار المعهود. وقيل غير ذلك أيضا.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
