ذلك تصنيفا حسنا سميته «الأقوال القويمة في حكم النقل من الكتب القديمة».
تنبيه : اعلم أن التوراة ثلاث نسخ مختلفة اللفظ متقاربة المعنى إلا يسيرا : إحداها تسمى توراة السبعين ، وهي التي اتفق عليها اثنان وسبعون حبرا من أحبارهم ؛ وذلك أن بعض اليونان من ملوك مصر سأل بعض ملوك اليهود ببيت المقدس أن يرسل إليه عددا من حفاظ التوراة ، فأرسل إليه اثنين وسبعين حبرا ، فأخلى كل اثنين منهم في بيت ووكل بهم كتّابا وتراجمة ، فكتبوا التوراة بلسان اليونان ، ثم قابل بين نسخهم الستة والثلاثين فكانت مختلفة اللفظ متحدة المعنى ، فعلم أنهم صدقوا ونصحوا ، وهذه النسخة ترجمت بعد بالسرياني ثم بالعربي وهي في أيدي النصارى ؛ والنسخة الثانية نسخة اليهود من الربانيين والقرائين ، والنسخة الثالثة نسخة السامرة ؛ وقد نبه على مثل ذلك الإمام السمرقندي (١) في الصحائف واستشهد بكثير من نصوص التوراة على كثير من مسائل أصول الدين ، وكذا الشيخ سعد الدين التفتازاني في شرح المقاصد والقاضي عياض في كتاب الشفاء وغيرهم.
ثم اعلم أن أكثر ما ذكرته في كتابي هذا من نسخة وقعت لي لم أدر اسم مترجمها. على حواشي فصولها الأوقات التي تقرأ فيها ، فالظاهر أنها نسخة اليهود وهي قديمة جدا ، فكان في الورقة الأولى منها محو في أطراف الأسطر فكملته من نسخة السبعين ، ثم قابلت نسختي كلها مع بعض اليهود الربانيين على ترجمة سعيد الفيومي وهي عندهم أحسن التراجم لو كان هو القارىء ، فوجدت نسختي أقرب إلى حقائق لفظ العبراني ومترجمها أقعد من سعيد في لغة العرب ، هذا وظاهر القرآن في قوله تعالى : (فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ) [الحجر ٢٩] أن الأمر بالسجود له كان قبل إتمام خلقه وأن السجود كان عقب النفخ ، وبه صرح البغوي في تفسيره ، وأجاب عن قوله تعالى في سورة الأعراف (وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ) [الأعراف : ١١] بأجوبة ، منها أن الخلق والتصوير لآدم وحده ، وذكره بضمير الجمع لأنه أبو البشر فخلقه خلقهم وتصويره تصويرهم ؛ ومنها أن (ثم (٢)) بمعنى الواو ليست للترتيب ـ انتهى. والتصوير شق السمع والبصر والأصابع ـ قاله يمان ، والتسوية تعديل الخلق وإتمامه وتهيئته لنفخ الروح ، ويمكن أن يكون (خَلَقْناكُمْ) وما
__________________
ـ له من الكتب : ألفية في أصول الحديث ، والمغني عن حمل الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار ، وذيل لوفيات الأعيان لابن خلكان ، وغيرها.
(١) هو الإمام شمس الدين محمد السمرقندي المتوفى سنة : ٦٠٠ من تصانيفه الصحائف في التفسير.
(٢) الأصل في ثم أن تكون للترتيب والتعقيب مع التراخي. وقد تكون بمعنى الواو ، فتفيد مطلق العطف.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
