اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) بأن مصيرهم إليها (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (٧٢) هي (يا أَيُّهَا النَّاسُ) أي أهل مكة (ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ) وهو (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ) تعبدون (مِنْ دُونِ اللهِ) أي غيره وهم الأصنام (لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً) اسم جنس واحدة ذبابة يقع على المذكر والمؤنث (وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ) لخلقه (وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً) مما عليهم من الطيب والزعفران الملطخون به (لا يَسْتَنْقِذُوهُ) لا يستردوه (مِنْهُ) لعجزهم ، فكيف يعبدون شركاء الله تعالى هذا أمر مستغرب عبر عنه بضرب المثل (ضَعُفَ الطَّالِبُ) العابد (وَالْمَطْلُوبُ) (٧٣) المعبود (ما قَدَرُوا اللهَ) عظموه (حَقَّ قَدْرِهِ)
____________________________________
المفعول الأول ، و (الَّذِينَ كَفَرُوا) هو المفعول الثاني ، وإليه يشير المفسر بقوله : (بأن مصيرهم إليها) حيث جعل الذين كفروا هو الموعود به ، والنار هي الموعودة. والمعنى جعل الله الكفار طعاما للنار وعدها بهم ، والأول أنسب من جهة العربية ، لأن المفعول الأول شرطه صلاحيته للأخذ ، كأعطيت زيدا درهما.
قوله : (يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ) هذه الآية مرتبطة بقوله : (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً) فالخطاب وإن كان لأهل مكة ، إلا أن المراد به عموم من كان يعبد الأصنام ، والمثل في اللغة مرادف للمثل والشبه والنظير ، ثم صار حقيقة عرفية في ما شبه مضربه بمورده ، كقولهم : الصيف ضيعت اللبن ، وليس مرادا هنا ، بل المراد به الأمر الغريب والقصة العجيبة ، وإليه يشير المفسر في آخر العبارة بقوله : (هذا أمر مستغرب). قوله : (فَاسْتَمِعُوا لَهُ) أي اصغوا إليه لتعتبروا. قوله : (وهو) أي المثل المضروب. قوله : (واحدة ذبابة) أي ويجمع على ذبان بالكسر كغربان ، وذبان بالضم كقضبان ، وأذبة كأغربة ، مأخوذ من ذب إذا طرد ، وآب إذا رجع ، لأنه يذب فيرجع ، وهو أحرص الحيوانات وأجهلها ، لأنه يرمي نفسه في المهلكات. ومدة عيشه أربعون يوما ، وأصل خلقته من العفونات ، ثم يتوالد بعضه من بعض ، يقع روثه على الشيء الأبيض فيرى أسود ، وعلى الأسود فيرى أبيض. قوله : (وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ) الجملة حالية كأنه قال : انتفى خلقهم الذباب على كل حال ، ولو في حال اجتماعهم.
قوله : (وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ) أي يأخذ ويختطف منهم. قوله : (مما عليهم من الطيب والزعفران) الخ ، أي لأنهم كانوا يطلون الأصنام بالزعفران ، ورؤوسها بالعسل ، ويغلقون عليها الأبواب ، فيدخل الذباب من الكوى فيأكله ، وكانوا يحلونها باليواقيت واللآلىء وأنواع الجواهر ، ويطيبونها بأنواع الطيب ، فربما سقط شيء منها ، فيأخذه طائر أو ذباب ، فلا تقدر الآلهة على استرداده. قوله : (الملطخون بها) المناسب أن يقول المتلطخين ، لأنه نعت سببي للطيب والزعفران. قوله : (لا يَسْتَنْقِذُوهُ) أي لا يخلصون منه. قوله : (عبر عنه بضرب المثل) جواب عما يقال : إن الذي ضرب وبين ليس بمثل حقيقة ، فكيف سماه مثلا؟ فأجاب : بأن القصة العجيبة تسمى مثلا ، تشبيها لها ببعض الأمثال في الغرابة.
قوله : (ما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ) هذه الآية قيل غير مرتبطة بما قبلها ، وعليه فيكون سبب نزولها كما قيل ، أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم كان جالسا وحوله أصحابه ، وفي القوم مالك بن أبي الصيف من أحبار اليهود ، فقال له رسول الله : ناشدتك الله ، هل رأيت في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين؟ فقال : نعم ، فقال له رسول الله : وأنت حبر سمين ، فضحك القوم ، فالتفت مالك إلى عمر بن الخطاب وقال :
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٢ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4466_hashiyat-alsawi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
