شيئا من أعراض الدنيا وهم الفقراء (وَلا تَعْدُ) تنصرف (عَيْناكَ عَنْهُمْ) عبر بهما عن صاحبهما (تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا) أي القرآن وهو عيينة بن حصن وأصحابه (وَاتَّبَعَ هَواهُ) في الشرك (وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) (٢٨) إسرافا (وَقُلِ) له ولأصحابه هذا القرآن (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ) تهديد لهم (إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ) أي الكافرين (ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها) ما أحاط بها (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ) كعكر الزيت
____________________________________
الدنيا) أي ولا شيئا من نعيم الجنة ، وهذا مقام الكمل ، والصحابة به أحرى. قوله : (تنصرف) (عَيْناكَ عَنْهُمْ) هو كناية عن الإعراض عنهم ، أي لا تعرض عنهم ، بل أقبل عليهم ، وهو جواب عما يقال كان مقتضى الظاهر ، ولا تعد عينيك بالنصب ، لأنه فعل متعد ، مع أن التلاوة بالرفع لا غير ، فأجاب المفسر بأنها وإن كانت بالرفع ، إلا أنها ترجع لمعنى النصب ، لأن الفعل مسند للعينين ، وهو في الحقيقة مسند لصاحبهما ، ولذلك عبر بتنصرف ، لتصحيح رفع العينين دون تصرف.
قوله : (تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا) الجملة حال من الكاف في (عَيْناكَ) والشرط موجود ، وهو كون المضاف جزآ من المضاف إليه ، والمعنى لا تنصرف عيناك عنهم ، حال كونك طالبا زينة الدنيا ، بمجالسة الأغنياء ، وصحبة أهل الدنيا ، والخطاب للنبي ، والمراد هو وغيره ، وإنما خوطب النبي وإن كان معصوما من ذلك ، تسلية للفقراء وتطمينا لقلوبهم. قوله : (وهو عيينة بن حصن) أي الفزاري أتى النبي صلىاللهعليهوسلم قبل أن يسلم ، وعنده جماعة من الفقراء ، منهم سلمان وعليه شملة صوف قد عرق فيها ، وبيده خوص يشقه وينسجه ، فقال عيينة للنبي : أما يؤذيك ريح هؤلاء؟ ونحن سادات مضر وأشرافها ، إن أسلمنا تسلم الناس ، وما يمنعنا من اتباعك إلا هؤلاء ، فنحهم عنك حتى نتبعك ، أو اجعل لنا مجلسا ولهم مجلسا ، وقد أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه ، وكان في حنين من المؤلفة قلوبهم ، فأعطاه النبي صلىاللهعليهوسلم منها مائة بعير ، وكذا أعطى الأقرع بن حابس ، وأعطى العباس بن مرداس أربعين بعيرا. وقيل : نزلت في أصحاب الصفة ، وكانوا سبعمائة رجل فقراء في مسجد رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، لا يخرجون إلى تجارة ولا زرع ولا ضرع ، يصلون صلاة وينتظرون أخرى ، فلما نزلت قال النبي صلىاللهعليهوسلم : «الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم». قوله : (فُرُطاً) مصدر فرط سماعي ، أي متجاوزا فيه الحد.
قوله : (وَقُلِ) (له) أي لعيينة بن حصن. قوله : (الْحَقُ) خبر مبتدأ محذوف قدره المفسر بقوله : (هذا القرآن). قوله : (تهديد لهم) أي تخويف وردع لا تخيير وإباحة ، لذكره الوعد الحسن على الإيمان ، والوعيد بالنار على الكفر ، فالعاقل لا يرضى بفوات النعيم واختيار العذاب. قوله : (إِنَّا أَعْتَدْنا) راجع لقوله : (وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ) ، وقوله : (إن الذين آمنوا) راجع لقوله : (فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ) فهو لف ونشر مشوش. قوله : (أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها) صفة لنار ، أو السرادق ، كناية عن الصور وهو نار أيضا ، لما ورد أن أرضها من رصاص ، وحيطانها من نحاس ، وسقفها من كبريت ، ووقودها الناس والحجارة ، فإذا أوقدت فيها النار ، وصار الكل نارا ، أجارنا الله منها بمنّه وكرمه.
قوله : (يُغاثُوا) فيه مشاكلة لقوله : (إِنْ يَسْتَغِيثُوا) وتهكم بهم إذ لا إغاثة فيه ، لأنه لا ينقذ من
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٢ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4466_hashiyat-alsawi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
