حياة بريء أمر مقيت ، لا يصلح التّعلل بالمحافظة على حياتنا لإباحته ، فلأن نموت خير من أن نقتل.
وهكذا تبدو لنا الإرادة الإنسانية في علاقتها بأحداث الفطرة الدّاخلية ، أو الطّبيعة الخارجية ـ من خلال القرآن ، حرة مستقلة. فهل يترتب على ذلك إستقلالها المطلق ضرورة؟ وهل إذا جاز لنا أن نقول : إنّ أي مخلوق ليست لديه قدرة تكرهه ، هو نفسه ـ أيجب أن نستنتج من هذا أنّ خالق الطّبيعة ذاته لا وجود له في نشاطنا؟ إنّ هذا السّؤال يعني أنّ المشكلة الميتافيزيقية ، أو بالأحرى : الإلهية ، للقضاء الأزلي ، تطرح أمامنا كاملة.
لقد قدمنا في مؤلف نشر من قبل بالعربية (١) ، لمحة تأريخية عن هذا الموضوع ، وحاولنا أن نعطي تمحيصا نقديا لمختلف الأفكار الّتي أصطرعت في الفكر الإسلامي ، وحسبنا أن نعيد هنا الخطوط البارزة لما عرض آنذاك.
ونشير أوّلا إلى غموض مصطلح القدرية [predestionisme] الّذي قد يقصد به معنيان مختلفان ، فهو بالمعنى المحدد الدّقيق ـ النّظرية الّتي تلغي إلغاء تاما كلّ نشاط إرادي فعلا ، يقوم به الإنسان. ولكن القدرية ، بمعنى أوسع ، تعني سبق العلم الإلهي فحسب. فإنّ الله قد خلق كلّ طاقات الكون وقواه ، طبقا لتدبير سابق ، بما في ذلك ملكة إرادتنا ، وهو يعلم مسبقا كيف ستعمل كلّ من هذه القوى ، وما الأحداث الّتي ستنتج عن نوع عملها ، ولكن لم يقل لنا ـ إيجابا أو سلبا ـ إذا كان الله سبحانه يتدخل في تسيير هذه القوى كلّها بمجرد أن توضع في
__________________
(١) المختار ـ نشر بالقاهرة عام ١٩٣٢ م.
