إطار الحركة. وبهذا المعنى الثّاني فقط يمكننا القول بأنّ الفكر العربي كلّه فكر قدري ، ما خلا بعض الإستثناءات.
والواقع أننا لا نرى أثرا للفكرة العكسية (الّتي تجرد أعمالنا من العلم الإلهي المسبق) في المرحلة السّابقة على الإسلام ، ولا بعد ظهور الإسلام ؛ حتّى بداية العصر الأموي. وفي عام (٨٠ للهجرة) ، أتهم بالبصرة رجل يقال له : «معبد» (١) ، كان يعتنق هذه الفكرة المتطرفة عن الحرية الإنسانية ، وأعدم الرّجل كمرتد ، في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان ، ولم تلبث نظريته أن تبعته دون عودة ، بيد أنّ هذه الحادثة قد أيقظت التّفكير الفلسفي على المشكلة. ولم نلبث أن رأينا منذ بداية القرن الثّاني الهجري ظهور فرقة المعتزلة (مع ظهور واصل بن عطاء ، المتوفي عام ١٣١ ه) ، وهي الّتي أخذت ، ولو بطريقة مخففة نفس اللقب : «القدرية» (٢) ، الّذي كان يقصد به النّظرية القديمة المطّرحة. وترى هذه الفرقة أنّ الله يعلم يقينا في أي أمر سوف يستخدم الإنسان ملكاته ، وقدرته الكاملة الّتي منحه إياها ، وهو مع ذلك يتركه يفعل ، تحت مسئوليته الكاملة ، وهو ما أعترضت عليه فرقة القدرية ، الّتي كان صاحبها «جهم بن صفوان» (٣) ، من «ترمذ» فقد كان
__________________
(١) هو معبد بن عبد الله بن عويم الجهني البصري ، أوّل من قال بالقدرة في البصرة ، وحضر يوم التّحكيم ، وانتقل من البصرة إلى المدينة فنشر فيها مذهبه ، وخرج مع ابن الأشعث على الحجاج ، فجرح وأقام بمكة ، ثم قتله الحجاج بعد أن عذبه ، وقيل : صلبه عبد الملك بن مروان بدمشق ، كما في الأعلام للزركلي : ٨ / ١٧٧ ، اسد الغابة : ٣ / ١٤٥.
(٢) ربما كان إطلاق وصف «القدرية» على المعتزلة يعني النّقيض ، أي : من لا يقولون بالقدر ، كما أطلق لقب «المحكّمة» على رافضي التّحكيم. «المعرب».
(٣) أبو محرز جهم بن صفوان السّمرقندي التّرمذي ، رأس الجهمية ، وقد زرع شرا عظيما ، كان يقضي في ـ
