ومن ناحية أخرى : إنّ الإنسان الّذي يتقهقر أمام الخطر ليس متأكدا دائما أنّ الإقدام قد يكلفه حياته ، فقد يكون مبالغا في توهم الخطر الّذي يتعرض له ، أو يكون قد أخطأ في تصور الباعث الحقيقي لعمله ، وحتّى لو افترضنا أنّ أصل قراره هو خطر محقق ، فلعله بمجرد أن شرع في العمل ألقى نفسه فيه ، واستمتع به في لذة لم يكن يدركها من قبل. فالواقع إذن أشد تعقيدا من أن يطبق عليه إبراء خالص ، وبسيط ؛ والحكم بعدم المسئولية لا ينبغي إذن أن يعني هنا البراءة ، ولكنه رخصة. وبذلك ندرك عمق تعبير القرآن ، عند ما يتحدث في موضوع العفو والرّحمة ، ولكي يؤكد المفسرون هذا المعنى ذكروا أنّ التّحمل ، والتّضحية أجمل وأكرم ، فقالوا : «والصّبر أجمل» (١) ، كما يقول لنا القرآن الكريم : (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) (٢).
وكذلك يجب أن نستثني حالات لا تتسع سلطة الواجب فيها عفو ، وحيث ينبغي أن تتصدى حرية الإرادة لأي إكراه حتّى لو كان تهديدا بالموت ، ومن ذلك حالة الإنسان الّذي يجبر على أن يقتل ، أو يقتل ، أو حالة ذلك الّذي أشرف على الهلاك من مخمصة ، فلم يجد وسيلة ، للحياة ، غير أن يقتل شخصا آخر ليقتات بلحمه ، «وقد أعتمدت المالكية في قتل المكره على القتل بالقتل ، بإجماعهم على أنّه لو أشرف على الهلاك لم يكن له أن يقتل إنسانا فيأكله» (٣). ذلك أنّ إنهاء
__________________
(١) انظر ، قول الشّاعر :
|
أم الغاية القصوى الّتي إن بلغتها |
|
فأنت إذا ما أنت والصّبر أجمل |
انظر ، الهاشميات والعلويات قصائد الكميت وابن أبي الحديد : ٧١.
(٢) البقرة : ٢١٧.
(٣) انظر ، بداية المجتهد ونهاية المقتصد : ٢ / ٤٣١.
