شديدة التّعقيد ، والتّداخل : ولسوف نعرض على التّوالي نظرية هذه الأشكال الثّلاثة من النّيّة ، على أن نفترض أنّ كلّ واحدة منها هي صاحبة السّيطرة على الضّمير ، ثمّ نشرح في النّهاية مختلف الطّرق الّتي يمكن أن تمتزج بها الدّوافع الكثيرة ، لكي تسهم في تحديد إختيار إرادتنا.
ب ـ النّيّة الحسنة :
من المعلوم ، في الأخلاق العقلانية أنّ أكثر النّظريات تشددا ، وهي نظرية «كانت» ، تجعل المبدأ المحدّد للإرادة الطّيبة في الفكرة المجردة للواجب ، بإعتباره القانون الشّكلي للعقل.
ولقد يجوز لنا أن نعتبر هذه النّظرية مجرد بديل ميتافيزيقي للنظرية القرآنية. ولا ريب أنّ القرآن يقدم الأشياء في ضوء مختلف ، لأنّه يملأ هذا الشّكل الفارغ للواجب بمادة مناسبة ، ويعين لممارسة هذا الأمر السّامي سلطة أكثر ارتفاعا بصورت أخرى. فالمؤمن لا يذعن للواجب «كفكرة» أو «ككائن عقلي» ؛ ولكنه يذعن له بإعتباره متصلا بحقيقة أساسية ، ومن حيث هو صادر عن الموجود الأسمى الّذي زودنا بهذا العقل ، وأودع فيه الحقائق الأولى ؛ بما في ذلك الحقيقة الأخلاقية في المقام الأوّل.
بيد أننا إذا نحينا هذه الفروق النّظرية جانبا ، فسوف نلاحظ تماثل النّظريتين فيما قامتا عليه أساسا من اقتضاء عملي.
فالقرآن يعلمنا أنّ الرّسالة الوحيدة للإسلام ، الرّسالة الّتي من أجلها خلق الإنسان ، بل خلقت جميع الكائنات العاقلة ، مرئية ، وغير مرئية ، (إنسا ، وجنّا) ـ هذه الرّسالة تنحصر في العبادة ، والخضوع للخالق جلّ وعلا : (وَما خَلَقْتُ الْجِنَ
