ولقد أثبتت التّجربة في الواقع أنّ أكثر الإرادات إعتدالا تحس في غمار عملها ، وأمام التّحدي ، بأنّها قادرة على أن تقاوم مقاومة عنيفة تأثير الغرائز الأولية ، ونوازع التّسلط ، وتهديدات الظّروف الخطرة ، راضية أن تضحي بأغلى ما تملك ، وليس يصدق هذا بالنسبة إلى الشّهداء فحسب ، وهم الذين يضحون مختارين بحياتهم من أجل مثلهم الأعلى ، ولكنه يصدق أيضا على أكثر الجنود تواضعا ، وهم الذين يرسلون إلى الحرب ، فيخوضونها دون أن يعرفوا لما ذا؟ .. بل لمجرد أن يطيعوا رؤساءهم.
وربما تقول لي : إنني أبذل كلّ ما في وسعي ولا أصل. وليس هذا صحيحا بإطلاق ، فإذا كان قلبك ، تلك الطّبيعة الصّغيرة ـ لا يقدر على شيء يقاوم به الزّحف الكاسح للطبيعة الكبيرة ، وإذا كان لا بد لجاذبية بعض الشّر ، وكراهية بعض الخير ، أن تحدث أثرها على هذا الجزء المنفعل من كونك ، فلم لا ترثي لهذه الحال ، ولما ذا لا تحتقر هذه الطّبيعة في ذاتك ، بناء على نصيحة العقل؟ .. ولما ذا تضرب عن هذا كلّه ، وتضع نفسك من هذا الجزء بمثابة القاضي الأعلى ،
__________________
ـ التّهجد ـ باب ١٢ ح ١٠٦٩ ، فتح الباري : ٣ / ٣ ، مقدمة فتح الباري : ١ / ٤٦٦) اه. «المؤلف».
ونصّ الحديث كما ورد في البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، قال : «يعقد الشّيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد ، يضرب كلّ عقدة عليك ليل طويل فارقد ، فإن إستيقظ فذكر الله إنحلت عقدة ، فان توضأ إنحلت عقدة ، فأصبح نشيطا طيب النّفس ، وإلّا أصبح خبيث النّفس كسلان» ، «المعرب». انظر ، تفسير القرطبي : ٢ / ٢٣ و : ١٩ / ٥٦ ، التّمهيد لابن عبد البر : ١٩ / ٤٥ ، صحيح مسلم : ١ / ٥٣٨ ح ٧٧٦ ، تنوير الحوالك : ١ / ١٤٦ ح ٤٢٤ ، ميزان الإعتدال : ٢ / ٨٩ ، صحيح البخاري : ١ / ٣٨٣ ح ١٠٩١ و : ٣ / ١١٩٣ ح ٣٠٩٦ ، مستدرك الوسائل : ٦ / ٣٤٠ ، صحيح ابن حبان : ٦ / ٢٩٣ ح ٢٥٥٣ ، مجمع الزّوائد : ٢ / ٢٦٢ ، موطأ مالك : ١ / ١٧٦ ح ٤٢٤ ، مسند أحمد : ٢ / ٢٤٣ ح ٧٣٠٦.
